المغرب يطوي 50 عاما من المسطرة المدنية القديمة ويدشن عهد العدالة الرقمية

دخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، اليوم الاثنين، 24 من شهر غشت الجاري حيز التنفيذ، ليضع حدا لأزيد من خمسة عقود من العمل بالقانون السابق، ويفتح مرحلة جديدة في تنظيم إجراءات التقاضي وتدبير الدعاوى وتنفيذ الأحكام داخل محاكم المملكة.

ويأتي هذا التحول التشريعي بعد سنوات من النقاش حول ضرورة تحديث قواعد المسطرة المدنية، خاصة في ظل الإشكالات التي أفرزها التطبيق العملي للنص السابق، من قبيل طول آجال التقاضي وتعقيد بعض الإجراءات، وصعوبات التبليغ والتنفيذ، إلى جانب الحاجة إلى مواكبة الرقمنة التي باتت تفرض نفسها داخل منظومة العدالة.

ويهدف القانون الجديد إلى جعل المساطر القضائية أكثر بساطة وفعالية، من خلال إعادة تنظيم عدد من القواعد المرتبطة بالدعوى، وتوضيح الاختصاصات، وضبط طرق الطعن، وتعزيز آليات تنفيذ الأحكام، فضلا عن الحد من الممارسات التي قد تؤدي إلى إطالة أمد النزاعات دون مبرر قانوني.

ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون، توسيع دور النيابة العامة في حماية النظام العام داخل الخصومات المدنية، حيث أصبح بإمكانها، وفق الشروط القانونية، الطعن بالبطلان في الأحكام التي تمس بالنظام العام حتى في الحالات التي لم تكن فيها طرفا في الدعوى الأصلية.

كما وضع المشرع آليات للتصدي للتقاضي التعسفي، إذ يمكن للمحكمة الحكم بالتعويض عندما يثبت أن أحد الأطراف استعمل حق التقاضي بشكل تعسفي، إلى جانب فرض غرامات مالية في بعض الحالات المرتبطة بالطعن أو التعرض إذا تبين أن الهدف منهما هو المماطلة أو عرقلة تنفيذ الأحكام.

وعلى مستوى الاختصاص، أعاد القانون ترتيب عدد من القواعد، مع توحيد المساطر المتعلقة بقضاء القرب ضمن إطار قانوني موحد، وترسيخ مبدأ وحدة القضاء والتخصص.

كما حدد اختصاصات المحاكم الابتدائية في القضايا المدنية والاجتماعية وقضايا الأسرة، مع إسناد المنازعات التجارية والإدارية إلى الأقسام المتخصصة داخل هذه المحاكم، كل بحسب مجال اختصاصه.

وفي المنازعات التي تتضمن عنصرا دوليا، وضع القانون قواعد أكثر دقة بشأن اختصاص القضاء المغربي، بما يوفر إطارا قانونيا أوضح للقضايا العابرة للحدود، ويعزز الأمن القانوني ويساهم في تحسين مناخ الاستثمار.

كما شمل الإصلاح تنظيم إجراءات تقييد الدعاوى والمساعدة القضائية، من خلال تحديد البيانات الواجب تضمينها في سجلات القضايا، مثل أسماء الأطراف ومحاميهم عند الاقتضاء، وموضوع الدعوى وتاريخ الاستدعاء.

وبخصوص المساعدة القضائية، حدد القانون أجل ثمانية أيام لتوجيه مقال استئناف مقرر الرفض إلى محكمة الدرجة الثانية، وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون.

ويحظى الصلح بدوره بمكانة بارزة في التصور الجديد، بعدما عزز المشرع دور المحكمة في تشجيع الحلول الودية، وأتاح لها عرض الصلح تلقائيا في أي مرحلة من مراحل الدعوى، وفي حال التوصل إلى اتفاق، يتم إثبات الصلح في حكم غير قابل للطعن، وفق الضوابط القانونية.

أما الرقمنة، فتشكل واحدة من أهم التحولات التي حملها القانون الجديد، إذ سمح بإيداع المقالات والمذكرات والطعون إلكترونيا، واعتماد التوقيع الإلكتروني وتبادل الوثائق بشكل لامادي، مع وضع مقتضيات تهم حماية المعطيات الشخصية وضمان الحجية القانونية للإجراءات الرقمية.

وامتد هذا التحديث أيضا إلى مسطرة التبليغ، من خلال إقرار التبليغ الإلكتروني ومنح المراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين حجيتها القانونية.

كما اعتمد القانون البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كمرجع احتياطي في حال تعذر التبليغ بالعنوان المصرح به، وألزم أشخاص القانون العام بالإدلاء بعناوينهم الإلكترونية، فيما منح للأشخاص الذاتيين والمعنويين من القطاع الخاص إمكانية اختيار هذا النوع من التبليغ.

وفي مجال القضاء الاستعجالي، سمح القانون بالبت في بعض حالات الاستعجال القصوى دون استدعاء الخصم، كما حدد أجل استئناف الأوامر الاستعجالية في 15 يوما، في خطوة ترمي إلى تسريع البت في القضايا التي لا تحتمل التأخير.

ولم يقتصر الإصلاح على مرحلة إصدار الأحكام، بل شمل أيضا مرحلة التنفيذ، من خلال تعزيز صلاحيات قاضي التنفيذ، وإتاحة الاستعانة بالمنصة الرقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع إجراءات التنفيذ، فضلا عن إمكانية إجراء عمليات البيع عبر منصة إلكترونية.

وقبيل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، صدرت دوريات عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل والوكالة القضائية للمملكة، تضمنت توجيهات وتوضيحات بشأن عدد من المقتضيات والمستجدات التي يتعين أخذها بعين الاعتبار عند تطبيق القانون.

وبذلك، يدخل القضاء المغربي مرحلة تشريعية جديدة تراهن على تبسيط المساطر، وتسريع البت في المنازعات، وتعزيز فعالية التنفيذ، وتوسيع الاعتماد على الوسائل الرقمية، بما يعكس توجها نحو تحديث منظومة العدالة ورفع مستوى النجاعة القضائية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *