التكوين المستمر والتوقيت الميسر: حق في التعلم ومسار نحو جامعة منفتحة

بقلم: الدكتورة خديجة وادي*

استفاق المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة على تحول مهم في وظيفة الجامعة المغربية، تمثل في انفتاحها المتزايد على فئات من
المواطنين الذين لم يتوقف طموحهم العلمي والمهني عند حدود الحصول على أول شهادة أو الولوج إلى سوق الشغل. فقد اختار عدد متزايد
من الموظفين والمهنيين، ممن راكموا سنوات طويلة من الخبرة والتجربة، أن يعودوا إلى مقاعد الجامعة، لا بحثًا عن امتيازات مجانية، ولا
رغبة في تجاوز حق الأجيال الجديدة، وإنما إيمانًا بأن التعلم لا ينبغي أن تكون له سنٌّ محددة، وأن المعرفة لا تنتهي بمجرد الحصول على
وظيفة أو شهادة.

إن هذه الرغبة في مواصلة التعلم والتكوين والتخصص ليست ظاهرة سلبية، بل هي في جوهرها تعبير عن مجتمع يريد أن يتطور، وعن
أفراد ما زالوا يؤمنون بقدرتهم على العطاء والإبداع وإعادة بناء مساراتهم العلمية والمهنية. فالعمر المتقدم نسبيًا لا ينبغي أن يتحول إلى
سبب للإحباط أو إلى حاجز أمام المعرفة؛ بل يمكن أن يكون مرحلة جديدة للاستثمار في الخبرة، وتحويلها إلى معرفة علمية قابلة للتطوير
والتقاسم والإنتاج.

ومن هذا المنطلق، فإن التكوين المستمر والتوقيت الميسر يندرجان ضمن تصور حديث للجامعة باعتبارها مؤسسة مفتوحة على المجتمع،
تستجيب لتحولاته وحاجاته، وتتيح فرص التعلم أمام فئات لا تستطيع، بحكم التزاماتها المهنية والأسرية، الالتحاق بالتكوينات ذات التوقيت
العادي.

الجامعة للجميع… ولكن وفق قواعد واضحة

إن الدفاع عن التكوين المستمر لا يعني، بأي حال من الأحوال، الانتقاص من حق الطلبة الجدد أو المساس بمبدأ تكافؤ الفرص. بل إن
العكس هو الصحيح.

فالطالب الذي يلج الجامعة بعد حصوله على شهادة البكالوريا أو شهادة جامعية أولية له مساره واحتياجاته وظروفه، والموظف أو المهني
الذي يعود إلى الجامعة بعد سنوات من العمل له بدوره مساره وحاجاته الخاصة. ومن غير المنطقي أن نضع الفئتين في مواجهة مفتعلة،
وكأن نجاح إحداهما لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب الأخرى.

إن الجامعة الحديثة قادرة على استيعاب مختلف هذه المسارات، شريطة أن يتم ذلك في إطار قانوني وبيداغوجي واضح، ومعايير معلنة،
وضوابط أكاديمية، وانتقاء يضمن الجودة.

فالاختلاف في التوقيت أو طبيعة المسلك أو شروط الولوج لا يعني بالضرورة اختلافًا في قيمة المعرفة أو في مستوى الاستحقاق العلمي.
وما يحدد قيمة الشهادة في النهاية هو الاعتماد الأكاديمي، والبرامج الدراسية، وكفاءة التأطير، وصرامة التقييم، واحترام المعايير العلمية.

الخبرة المهنية ليست امتيازا… وإنما رصيد معرفي

هناك جانب آخر ينبغي أن يحظى بالنقاش الموضوعي: هل ينبغي للجامعة أن تنظر إلى سنوات الخبرة المهنية باعتبارها عائقًا أمام الطالب
الجديد، أم باعتبارها رصيدًا يمكن أن يغني العملية التعليمية والبحثية؟

إن الموظف أو المهني الذي قضى سنوات في الميدان يأتي إلى الجامعة محملاً بتجارب وأسئلة ومشكلات واقعية. وعندما يلتقي هذا الرصيد
بالمعرفة الأكاديمية والمنهجية العلمية، يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة حقيقية للجامعة والمجتمع.

فالجامعة لا تنتج المعرفة من الكتب وحدها؛ وإنما تنتجها أيضًا من التفاعل بين النظرية والممارسة، وبين الخبرة والتكوين، وبين البحث
العلمي والإشكالات الواقعية للمجتمع.

ومن هنا، فإن فتح المجال أمام التعلم مدى الحياة يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لتثمين الرأسمال البشري الوطني، بدل أن يظل جزء كبير من
هذا الرصيد من الخبرات خارج دائرة البحث والتطوير.

لماذا تتم معارضة فكرة التوقيت المستمر ؟

إن النقاش العمومي حول التكوين المستمر مشروع، ومن حق أي طرف أن يطرح أسئلة حول شروط الولوج، وجودة التكوين، والاعتماد،
وتكافؤ الفرص، والشفافية، ومآلات الشهادات.

لكن ما ينبغي رفضه هو تحويل هذه الأسئلة المشروعة إلى رفض مبدئي لفكرة التعلم مدى الحياة، كما قد يرى البعض أن الموظف والمهني
الذي يرغب في العودة إلى الجامعة منافسًا غير مشروع للطالب الجديد.

الأكثر أهمية هو أن نسأل: هل التكوين يستجيب للمعايير القانونية والأكاديمية؟ هل البرامج ذات جودة؟ هل التقييم يتم بصرامة؟ هل التأطير
العلمي متوفر؟ وهل الشهادة التي يحصل عليها الطالب تستند إلى مسار تكويني حقيقي ومستوفٍ للشروط المطلوبة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن النقاش ينبغي أن ينتقل من سؤال: لماذا نسمح لهؤلاء بالعودة إلى الجامعة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نجعل
هذه العودة أكثر جودة وفائدة للمجتمع؟ و للجامعة نفسها؟

أما الاعتراضات التي لا تقدم بديلًا علميًا واضحًا، ولا تناقش جودة البرامج ومعاييرها، وإنما تكتفي برفض الفكرة أو التشكيك في
أصحابها، فإنها لا تساعد على تطوير الجامعة، بل قد تساهم في تعطيل أحد المبادئ الأساسية للتنمية البشرية: الاستثمار في الإنسان في
جميع مراحل حياته.

التوقيت الميسر ليس امتيازا… بل استجابة لحاجات اجتماعية

إن اعتماد التوقيت الميسر لا يعني إنشاء مسار أقل قيمة أو أقل جدية. إنه ببساطة استجابة لواقع اجتماعي مختلف.

فالموظف الذي يعمل طوال اليوم، والأستاذ، والطبيب، والممرض، والمهندس، والتقني، والإداري، وغيرهم من المهنيين، لا يستطيعون
بالضرورة الالتحاق بالتكوينات التي تقدم في التوقيت العادي.

ومن ثم، فإن ملاءمة التوقيت مع الالتزامات المهنية والأسرية ليست ترفا، وإنما هي شرط عملي لجعل  التعلم مدى الحياة ممكنًا.

بل إن الاقتصار على نموذج جامعي واحد لا يأخذ بعين الاعتبار تنوع المتعلمين في المجتمع قد يؤدي إلى إقصاء فئات واسعة من
المواطنين من الحق في مواصلة التعليم.

الشهادة الجامعية ليست مجرد ورقة

إن أهمية هذه التكوينات لا تكمن فقط في الحصول على شهادة. فالشهادة، حين تكون نتيجة مسار أكاديمي حقيقي، يمكن أن تكون بوابة
للبحث العلمي، ومواصلة الدراسة، وتطوير الكفاءات، وإنتاج المعرفة.

والأهم من ذلك أن الموظف الذي يعود إلى الجامعة لا يعود فقط من أجل تحسين وضعه الشخصي؛ فقد يعود حاملًا معه إشكالات ميدانية
يمكن أن تتحول إلى مواضيع للبحث العلمي، ودراسات تطبيقية، ومشاريع للتطوير، وحلول لمشكلات تعترض المؤسسات والمجتمع.

وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الجامعة باعتبارها جسرًا بين المعرفة والممارسة.

لا ينبغي أن تتحول الجامعة إلى ساحة للصراع السياسي

إن الجامعة مؤسسة علمية قبل أن تكون مجالًا للصراع السياسي أو لتصفية الحسابات. ولذلك فإن أي نقاش حول التكوين المستمر ينبغي أن
يظل محكومًا بالمعايير العلمية والقانونية والبيداغوجية.

يمكن أن نختلف حول طرق التدبير، ويمكن أن نطالب بمزيد من الشفافية، ويمكن أن نقترح تعديلات لتحسين جودة التكوين، وهذا أمر
صحي ومطلوب. لكن ما لا ينبغي قبوله هو أن تتحول الاختلافات حول تدبير مشروع أكاديمي إلى تشكيك في حق المواطنين في التعلم، أو
إلى استهداف الأشخاص والمؤسسات بدل مناقشة البرامج والمعايير.

إن الجامعة لا تتقدم بالصراع حول من يستحق التعلم، وإنما تتقدم حين نطرح السؤال الحقيقي: كيف نضمن أن كل من يلجها يحصل على
تكوين ذي جودة وقيمة علمية حقيقية؟

التعلم مدى الحياة خيار استراتيجي للمغرب

العالم اليوم لا يتوقف عن التغير. المهن تتطور، والتكنولوجيا تتغير، والمعارف تتجدد، والوظائف نفسها تعاد صياغتها باستمرار. وفي مثل
هذا السياق، لم يعد من الواقعي الاعتقاد بأن الإنسان يتعلم في مرحلة عمرية محددة ثم يتوقف عن التعلم إلى نهاية حياته المهنية.

إن مفهوم التعلم مدى الحياة أصبح جزءًا أساسيًا من السياسات التعليمية الحديثة، لأنه يسمح بتحديث الكفاءات، وإعادة التأهيل، وتطوير
المهارات، وتحويل الخبرة المهنية إلى معرفة قابلة للتثمين.

والمغرب، وهو في حاجة إلى تثمين رأسماله البشري، لا يمكنه أن يجعل من الجامعة فضاءً مغلقًا أمام من يريدون العودة إليها. بل يحتاج
إلى جامعة قادرة على استقطاب الطاقات والخبرات، وإعادة دمجها في مسار الإنتاج العلمي والمعرفي.

المطلوب ليس إلغاء التجربة… بل تطويرها

إذا كانت هناك اختلالات في بعض جوانب التكوين المستمر، فإن المعالجة المنطقية ليست إلغاء الفكرة أو إغلاق الباب أمام الراغبين في
مواصلة الدراسة، وإنما تقييم التجربة، وتصحيح الاختلالات، وتشديد معايير الجودة، وضمان الشفافية، وربط التكوين بحاجات المجتمع
وسوق العمل والبحث العلمي.

فالسياسات العمومية الناجحة لا تُقاس بقدرتها على منع التجارب الجديدة، وإنما بقدرتها على تقييمها وتطويرها.

وإذا كان هناك من يرى أن بعض المسالك تحتاج إلى مراجعة، فليقدم مقترحات واضحة، ومعايير قابلة للنقاش، وبدائل علمية قابلة للتطبيق.
أما الاكتفاء بالرفض، أو تحويل قضية أكاديمية إلى مادة للاستقطاب السياسي، فلن يخدم لا الجامعة ولا الطلبة ولا المجتمع.
في النهاية: الجامعة ملك للمستقبل

إن عودة الموظف والمهني إلى الجامعة ليست عودة إلى الماضي، بل يمكن أن تكون استثمارًا في المستقبل.

إنها فرصة لتحويل سنوات الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى بحث، والبحث إلى ابتكار، والابتكار إلى خدمة للمجتمع.

وفي المقابل، فإن الطالب الجديد لا ينبغي أن يرى في زميله الأكبر سنًا خصمًا، بل يمكن أن يراه شريكًا في فضاء معرفي تتعايش فيه
الأجيال والخبرات المختلفة.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من منطق؛ من له الحق في دخول الجامعة؟ إلى منطق أكثر تقدمًا: كيف نجعل الجامعة فضاءً للتميز متاحًا لكل من
يستوفي شروطه العلمية والقانونية؟

فالمعركة الحقيقية ليست بين الأجيال، وليست بين الموظف والطالب، وليست بين التكوين العادي والتكوين المستمر.

المعركة الحقيقية هي من أجل جامعة ذات جودة، منفتحة، مستقلة في قرارها العلمي والبيداغوجي، قادرة على تثمين رأسمالها البشري،
ومتصالحة مع حاجات مجتمعها.

إن الحق في التعلم لا تنتهي صلاحيته بالحصول على وظيفة، ولا يتوقف عند عمر معين. ومن يريد أن يتعلم، ويبحث، ويبدع، ويطور
نفسه، ينبغي أن يجد في الجامعة المغربية فضاءً يحترم طموحه، ما دام ملتزمًا بالقانون وبالمعايير الأكاديمية.

فالجامعة التي تغلق أبوابها أمام من يريد أن يتعلم تخسر طاقة بشرية؛ أما الجامعة التي تفتح أبوابها للمعرفة المنضبطة والجودة الأكاديمية،
فإنها تستثمر في مستقبل المجتمع بأكمله.

*الدكتورة خديجة وادي
أستاذة علم النفس الإكلينيكي
كلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية
جامعة ابن طفيل. القنيطرة. المغرب

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *