بمناسبة تخليد الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، تستحضر المملكة المغربية عددا من الأوراش الاجتماعية الكبرى التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي كان لها أثر مباشر في تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز مقومات الدولة الاجتماعية.
ويأتي في مقدمة هذه الأوراش ورش دعم التمدرس، الذي عرف تطورا لافتا منذ إطلاق مبادرة “مليون محفظة” سنة 2008، وصولا إلى إدماجها ضمن منظومة الدعم الاجتماعي المباشر سنة 2024، في إطار رؤية ملكية متكاملة تجعل من التعليم رافعة أساسية للتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية.
2008.. مبادرة ملكية لتخفيف أعباء الدخول المدرسي
في فاتح شتنبر من سنة 2008، أشرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمدينة تطوان، على إعطاء الانطلاقة الرسمية للمبادرة الوطنية “مليون محفظة”، التي جاءت استجابة للحاجة المتزايدة إلى دعم الأسر ذات الدخل المحدود، خاصة مع تزامن الدخول المدرسي آنذاك مع شهر رمضان المبارك وما يرافقه من ارتفاع في النفقات المعيشية.
وجسد إطلاق المبادرة حرص جلالة الملك على جعل الحق في التعليم حقا فعليا لجميع الأطفال، من خلال إزالة العوائق الاقتصادية التي قد تحول دون التحاقهم بالمؤسسات التعليمية أو استمرارهم في الدراسة، خصوصا في العالم القروي والمناطق الهشة.
تكافؤ الفرص ومحاربة الهدر المدرسي
لم يكن الهدف من المبادرة يقتصر على توزيع المحافظ والكتب واللوازم المدرسية، بل جاء في إطار رؤية متكاملة تروم ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ، والحد من ظاهرة الهدر المدرسي، وتشجيع الأسر على مواصلة تمدرس أبنائها.
ولهذه الغاية، رصد للمبادرة غلاف مالي بلغ 204 ملايين درهم، ساهمت في تمويله المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى جانب عدد من المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات والجمعيات.
واستهدفت العملية مليون تلميذ وتلميذة، منهم 900 ألف بالسلك الابتدائي و100 ألف بالسنة الأولى من التعليم الإعدادي، موزعين على أكثر من 6000 مؤسسة تعليمية عبر مختلف جهات المملكة، مع منح الأولوية للجماعات القروية والأحياء الحضرية المستفيدة من برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
كما استفاد من المبادرة أكثر من 455 ألف تلميذ بالعالم القروي مقابل حوالي 454 ألف تلميذ بالوسط الحضري، وهو ما يعكس الاهتمام الملكي الخاص بالمناطق التي كانت تعرف نسبا مرتفعة من الهدر المدرسي وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية.
مبادرة رسخت البعد الاجتماعي للمدرسة المغربية
ساهمت مبادرة “مليون محفظة” على امتداد سنوات في تخفيف العبء المالي عن ملايين الأسر المغربية مع كل دخول مدرسي، وأصبحت موعدا سنويا تنتظره الأسر المعوزة، بعدما وفرت للتلاميذ الكتب والأدوات واللوازم المدرسية الأساسية.
كما ساعدت المبادرة على تحسين نسب التمدرس، خاصة في صفوف الأطفال المنحدرين من الأسر الهشة، وأسهمت في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية في الولوج إلى التعليم، بما ينسجم مع الرؤية الملكية التي جعلت من الاستثمار في الرأسمال البشري أحد أهم مرتكزات التنمية.
2024.. مرحلة جديدة في مسار الدعم الاجتماعي
ومع إطلاق الورش الملكي للحماية الاجتماعية، الذي يعد من أكبر المشاريع الإصلاحية بالمغرب، دخل دعم التمدرس مرحلة جديدة تقوم على الانتقال من الدعم العيني إلى الدعم المالي المباشر.
وفي هذا السياق، قررت الحكومة سنة 2024 إدماج مبادرة “مليون محفظة” ضمن نظام الدعم الاجتماعي المباشر، وذلك في إطار إصلاح شامل يروم توحيد برامج الدعم الاجتماعي وضمان وصولها بشكل أكثر فعالية إلى الأسر المستحقة.
وجاء هذا القرار تنفيذا للتوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح البرلمان بتاريخ 13 أكتوبر 2023، حيث دعا صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى عقلنة برامج الدعم الاجتماعي، والرفع من نجاعتها، وضمان استدامة تمويلها، بما يحقق أكبر أثر اجتماعي لفائدة المواطنين.
الدعم المالي المباشر.. مرونة أكبر واستهداف أدق
بموجب النظام الجديد، أصبحت الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر تتوصل بمبالغ مالية تخصص لتغطية تكاليف الدخول المدرسي، بدل الحصول على المحافظ واللوازم المدرسية بشكل مباشر.
ويستفيد أولياء أمور التلاميذ المسجلين بالتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي من 200 درهم عن كل تلميذ، فيما تستفيد الأسر التي يتابع أبناؤها دراستهم بالسلك الثانوي التأهيلي من 300 درهم عن كل تلميذ، تصرف مرة واحدة خلال شهر شتنبر من كل سنة.
ويمنح هذا النظام للأسر حرية اقتناء الكتب واللوازم التي يحتاجها أبناؤها، كما يساهم في تحسين كفاءة استهداف المستفيدين وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه في الوقت المناسب.
منطق جديد للدولة الاجتماعية
يعكس هذا التحول انتقال المغرب إلى مقاربة أكثر حداثة في تدبير السياسات الاجتماعية، تقوم على توحيد مختلف برامج الدعم داخل منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية، بما يعزز الشفافية ويرفع من مردودية الإنفاق العمومي.
كما يؤكد هذا الإصلاح أن الدولة لم تتخل عن دعم التمدرس، وإنما غيرت آلية تقديمه بما يواكب التحولات التي تعرفها السياسات الاجتماعية، ويمنح الأسر مرونة أكبر في تدبير احتياجاتها، مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتمثل في تشجيع تمدرس الأطفال والحد من الهدر المدرسي.
رؤية ملكية متواصلة للاستثمار في الإنسان
على امتداد أكثر من ربع قرن، ظل التعليم في صلب الرؤية الإصلاحية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتباره المدخل الحقيقي لبناء مجتمع المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة. فمن إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى ورش تعميم الحماية الاجتماعية، مرورا بمبادرة “مليون محفظة” وإدماجها ضمن نظام الدعم الاجتماعي المباشر، حافظت السياسة الملكية على هدف ثابت يتمثل في حماية الفئات الهشة، وتوفير شروط الإنصاف وتكافؤ الفرص لجميع الأطفال.
وتؤكد هذه المحطات أن الرؤية الملكية لم تقتصر على تقديم دعم ظرفي للأسر، بل قامت على بناء منظومة اجتماعية متكاملة تضع المواطن في صلب السياسات العمومية، وتجعل من الاستثمار في الرأسمال البشري أساسا لبناء مغرب أكثر عدالة وإنصافا، وهو ما يشكل أحد أبرز منجزات العهد الزاهر لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.