خريطة سياسية جديدة تتشكل في الصحراء… لتنزيل الحكم الذاتي

لا تبدو التحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة مجرد حركية انتخابية تسبق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، كما أنها لا يمكن اختزالها في انتقال منتخبين من حزب إلى آخر أو في تراجع نفوذ تنظيم سياسي وصعود منافس له. فهذه القراءة، رغم وجاهتها الظاهرة، لا تلامس سوى سطح المشهد، بينما تكمن التحولات الحقيقية في العمق، حيث يعاد تشكيل الحقل السياسي بالصحراء على إيقاع مرحلة وطنية ودولية مختلفة، تتقدم فيها المبادرة المغربية للحكم الذاتي بثبات نحو ترسيخها كحل واقعي وذي مصداقية للنزاع الإقليمي حول الصحراء.

لقد أفرزت السنوات الأخيرة معطيات جديدة قلبت كثيراً من التوازنات التي حكمت هذا الملف لعقود. فالاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء، واتساع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب الدينامية التي أطلقها القرار الأممي رقم 2797، جعلت الدولة المغربية تنتقل تدريجياً من منطق تدبير النزاع إلى منطق الاستعداد لما بعده. وهذا التحول لا يقتصر على الدبلوماسية أو المشاريع التنموية، بل يمتد إلى إعادة بناء المجال السياسي نفسه، باعتباره أحد الشروط الأساسية لإنجاح أي تصور مستقبلي للحكم الذاتي.

في هذا السياق، تكتسب التحركات الحزبية الأخيرة داخل الأقاليم الجنوبية دلالات تتجاوز بعدها الانتخابي المباشر. فما تعرفه الاحزاب الكبرئ : الاستقلال، التجمع الوطني للاحرار ، و الاصالة والمعاصرة من مغادرة عدد من قياداتها ومنتخبيها، وما رافق ذلك من إعادة تموقع لفاعلين محليين داخل أحزاب أخرى، ليس مجرد “نزول ثقيل” لحزب كان إلى وقت قريب رقماً أساسياً في معادلة الصحراء، بل هو مؤشر على أن النخب المحلية بدأت تعيد قراءة المرحلة، وتعيد تموضعها وفق موازين قوة جديدة، تدرك أن السنوات المقبلة لن تشبه ما سبقهاد.ميلود بلقاضي

غير أن اختزال هذه الدينامية في أزمة تنظيمية لهذا الحزب أو مكسب انتخابي لذاك، سيحجب المعنى الحقيقي لما يجري. فالمشهد السياسي بالصحراء يعيش انتقالاً من مرحلة الاستقرار النسبي إلى مرحلة إعادة التشكل، حيث لم تعد الولاءات التقليدية كافية لضمان الاستمرار، ولم يعد النفوذ المحلي وحده محدداً للوزن السياسي، بل أصبحت القدرة على إنتاج نخب ذات كفاءة، وإدارة الشأن العام، والانخراط في المشروع الوطني، عوامل أكثر تأثيراً في رسم موازين القوة.

ومن زاوية علم الاجتماع السياسي، يمكن القول إن الصحراء تدخل مرحلة “إعادة هيكلة النخب”. فالنظام السياسي المغربي، وهو يراكم مكاسب دبلوماسية غير مسبوقة في هذا الملف، أصبح في حاجة إلى نخبة محلية تمتلك شرعية انتخابية وكفاءة تدبيرية، وقادرة على مواكبة التحول المنتظر من مرحلة الدفاع عن مغربية الصحراء إلى مرحلة تدبيرها في إطار حكم ذاتي تحت السيادة المغربية. فنجاح هذا المشروع لن يقاس فقط بقدرته على إنهاء النزاع، بل أيضاً بقدرته على إنتاج مؤسسات قوية ونخب تتمتع بالمصداقية والكفاءة.

ومن هنا، فإن الدولة تبدو معنية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتعزيز تنافسية الحياة الحزبية داخل الأقاليم الجنوبية، ليس بهدف إعادة توزيع النفوذ بين الأحزاب، وإنما لإفراز مؤسسات أكثر قوة وتمثيلية. فالحكم الذاتي، في جوهره، ليس مجرد نقل لاختصاصات إدارية، بل هو نموذج للحكامة المحلية يقوم على وجود أحزاب فاعلة، ونخب مؤهلة، ومؤسسات تحظى بالثقة والشرعية.

ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لم يعد هو عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما قدرة الأحزاب على تجديد نخبها، والانفتاح على الكفاءات، والانتقال من منطق استقطاب الأعيان إلى منطق بناء التنظيمات. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية للتنمية، وخبرة في التدبير، وقدرة على الترافع عن المشروع الوطني، بقدر حاجتها إلى قواعد انتخابية واسعة.

ولا يمكن عزل هذه التحولات عن الاستحقاقات الوطنية الكبرى التي تنتظر المغرب. فالانتخابات التشريعية المقبلة ستفرز حكومة ستقود البلاد خلال مرحلة مفصلية، عنوانها استكمال الأوراش الملكية الكبرى، والاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030، وتعزيز مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة. وفي قلب هذه التحولات تحتل الأقاليم الجنوبية موقعاً استراتيجياً، باعتبارها بوابة الأطلسي، وواجهة الانفتاح على إفريقيا، ومركزاً للمشاريع الاقتصادية الكبرى التي تراهن عليها الدولة.

ومن ثم، فإن جودة التمثيلية السياسية في الصحراء لم تعد قضية محلية، بل أصبحت جزءاً من الأمن الاستراتيجي للدولة. فكلما كانت المؤسسات المنتخبة أكثر قوة، والنخب أكثر كفاءة، ازدادت قدرة المغرب على تحويل مكاسبه الدبلوماسية إلى واقع مؤسساتي وتنموي يعزز شرعية مشروعه السياسي أمام المجتمع الدولي.

إن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل حزب الأصالة والمعاصرة، ولا بمكاسب الأحزاب المنافسة، بل يتعلق بمستقبل الحقل السياسي في الصحراء برمته. فهل نحن أمام إعادة تموقع انتخابية عابرة؟ أم أننا بصدد ولادة هندسة سياسية جديدة تواكب مرحلة تنزيل الحكم الذاتي؟

كل المؤشرات توحي بأن الأمر يتجاوز الظرفية الانتخابية. فالتوازنات القديمة بدأت تتآكل، والنخب تعيد حساباتها، والأحزاب تدخل سباقاً مختلفاً عنوانه بناء الشرعية السياسية لمرحلة ما بعد النزاع. لذلك، فإن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد محطة لتجديد البرلمان، بل ستكون اختباراً لقدرة الأحزاب على تقديم نخب مؤهلة لقيادة واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية الوطنية.

لقد دخلت الصحراء بالفعل مرحلة سياسية جديدة؛ مرحلة لا يُقاس فيها وزن الأحزاب بعدد المنتخبين فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج الكفاءة، وصناعة الثقة، ومواكبة التحول الذي تعرفه القضية الوطنية. ومن ينجح في استيعاب منطق هذه المرحلة سيكون الأقدر على قيادة المستقبل، لأن الصحراء لم تعد فقط عنواناً للوحدة الترابية، بل أصبحت مختبراً حقيقياً لمستقبل الدولة المغربية،جيو- سياسياً وتنموياً ومؤسساتياً.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *