“مبادرة عائلية” تُحَفّز الأسود في مونديال أمريكا

تستعد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لاعتماد مبادرة جديدة خلال مشاركة المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية، تقوم على مرافقة آباء وأمهات اللاعبين لبعثة أسود الأطلس، في خطوة تتجاوز بعدها التنظيمي لتكرس فلسفة مغربية خاصة في تدبير الجانب النفسي للعناصر الوطنية، مستلهمة من الرؤية الملكية التي ما فتئت تؤكد مركزية الاسرة في بناء التوازن الاجتماعي والوجداني.

وكشف رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، خلال استضافته في برنامج بودكاست على قناة الجزيرة، أن هذه المبادرة تندرج ضمن استراتيجية متكاملة تروم توفير افضل الظروف الذهنية والمعنوية للاعبين خلال الحدث الكروي الاكبر عالميا. واعتبر أن المقاربة المغربية في الاعداد النفسي تختلف عن النماذج التقليدية المعتمدة في عدد من المنتخبات، والتي تقتصر على الاستعانة باخصائيين في المواكبة الذهنية، موضحا أن “العلاج النفسي الحقيقي” في السياق المغربي يجد جذوره داخل الاسرة، وتحديدا في العلاقة التي تجمع اللاعب بوالديه.

وتعكس هذه الخطوة تحولا في طريقة تدبير المنتخبات الوطنية، حيث لم يعد الاعداد مقتصرا على الجوانب التقنية والبدنية، بل امتد ليشمل البعد الانساني والاجتماعي باعتباره عنصرا مؤثرا في صناعة الانجاز. فبينما تراهن مدارس كروية عالمية على التقنيات الحديثة في الدعم النفسي، اختارت الجامعة المغربية المزج بين الخبرة العلمية والخصوصية الثقافية للمجتمع المغربي، من خلال استحضار دور الابوين باعتبارهما مصدر اطمئنان وثقة بالنسبة للاعبين.

ويرى متتبعون أن هذه المبادرة لا يمكن فصلها عن المشاهد التي صنعت جزءا مهما من الهوية البصرية والرمزية للمنتخب المغربي خلال مونديال قطر 2022، عندما تحولت صور اللاعبين وهم يحتفلون رفقة امهاتهم الى رسائل انسانية عابرة للحدود، جذبت اهتمام وسائل الاعلام الدولية وقدمت صورة مختلفة عن المنتخب المغربي، قوامها التمسك بقيم البر بالوالدين والارتباط العميق بالاسرة.

وفي هذا السياق، اشار لقجع إلى أن التجربة السابقة اثبتت نجاعتها، ليس فقط من حيث النتائج الرياضية التي توجت بوصول المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم لأول مرة في تاريخ المنتخبات العربية والافريقية، ولكن ايضا من خلال الاجواء الايجابية التي خلقتها داخل المجموعة، حيث ساهم حضور العائلات في تعزيز روح الانسجام والتلاحم بين اللاعبين.

ويحمل القرار دلالات تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، إذ يعكس سعيا إلى ترسيخ نموذج مغربي في تدبير الشأن الرياضي، يستند إلى الخصوصية الثقافية للمملكة وينهل من الرؤية الملكية التي جعلت من الاسرة نواة اساسية للمجتمع ورافعة لتحقيق التنمية والاستقرار. وفي هذا الاطار، تبدو مبادرة الجامعة امتدادا لهذا التوجه، عبر توظيف الرصيد القيمي المغربي في خدمة الاداء الرياضي والرفع من جاهزية اللاعبين في المحافل الدولية.

ومع اقتراب موعد كأس العالم 2026، يواصل المنتخب المغربي البحث عن مقومات جديدة للحفاظ على الزخم الذي خلفه انجاز قطر. وإذا كانت الجوانب التكتيكية والتقنية تحظى بالاهتمام المعتاد، فإن الرهان هذه المرة يبدو منصبا كذلك على الاستثمار في الجانب النفسي والانتماء الاسري، انطلاقا من قناعة مفادها أن اللاعب المتوازن وجدانيا يكون اكثر قدرة على مواجهة الضغوط وتقديم افضل ما لديه فوق ارضية الملعب.

وبذلك، لا تبدو مرافقة الامهات والاباء لبعثة اسود الاطلس مجرد مبادرة ذات طابع رمزي، بل خيارا استراتيجيا يعكس خصوصية التجربة المغربية في تدبير الرياضة، ويجسد رؤية تعتبر أن القوة الذهنية للاعب لا تبنى فقط داخل مراكز التدريب، بل تنمو ايضا في حضن الاسرة التي تظل مصدر الدعم الاول في لحظات التحدي والنجاح.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *