من دمشق الى طهران: هل يستعيد لبنان قراره السيادي؟

الفضيلي عبد الحليم : باحث في العلوم السياسية والجيوستراتيجية

لطالما شكل لبنان ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ سواء الإقليمي أو الدولي، بحكم موقعه الجيوسياسي وتركيبته الطائفية المعقدة، فضلًا عن هشاشة مؤسساته خلال مراحل عديدة من تاريخه الحديث.

فقد شكل اتفاق الطائف سنة 1989 محطة أساسية، سبقتها سلسلة من الاتصالات والمشاورات بين المسؤولين السوريين والرئيس أمين الجميل بدمشق سنة 1987، أنهت حربًا أهلية ضروسًا عصفت بلبنان أرضًا وشعبًا، وفرقت المكون الوطني وأدخلته في دوامة صراع مسلح أودت بحياة ما يقارب 150 ألف قتيل.

ومن أبرز تداعيات الحرب بروز قوى مسلحة تحولت إلى فاعلين سياسيين دون التخلي الكامل عن سلاحها، وهيمنت على المشهد السياسي اللبناني وعمقت الفوضى والانقسام، بل وجعلت لبنان على مدى عقود ورقة مساومة، حتى بات ملفه يتداول داخل أروقة وزارة الخارجية السورية، ثم انتقل بفعل تحولات إقليمية نحو أروقة وزارة الخارجية الإيرانية، حتى وجد اللبناني نفسه متأرجحًا بين السندين يريد استعادة قراره وحقه السيادي المعبر عن المواطن اللبناني الأصيل، وهو ما صرح به السيد الرئيس جوزيف عون في مقابلته بقناة CNN، والذي شدد فيها على ضرورة ألا يتحول لبنان إلى ورقة ضغط لدى جهات خارجية، باعتبار المواطن اللبناني هو من يتحمل التكلفة.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جاء رد وزير الخارجية الإيراني السيد عباس عراقجي، والذي شدد على أن العدو الحقيقي للبنان هو إسرائيل، وعليه يظهر جليًا التباين السياسي والدبلوماسي بين الطرفين، والذي امتد ليطال صناع القرار في البلدين.

يأتي هذا السجال في لحظة إقليمية صعبة وشديدة الحساسية، تعيد طرح سؤال القرار اللبناني وإمكانية خروجه من منطق الوصاية وكونه ورقة للمساومة، وصولًا إلى تحقيق استقلالية في قراراته رغم صعوبة الأمر في المرحلة الراهنة، نظرًا لتوازنات سياسية معقدة وصعبة التجاوز يواجهها السيد رئيس الحكومة نواف سلام.

فالمفاوضات الجارية بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة الأمريكية تعيد إلى الأذهان المفاوضات التي جرت خلال الحرب الأهلية والتي انتهت باتفاق 17ماي 1983، والذي كان ثمرة يانعة من ثمار الحرب الأهلية ونتيجة للحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982.

ومن خلاله لعبت سوريا في عهد الرئيس حافظ الأسد إلى جانب المسؤول عن الملف اللبناني عبد الحليم خدام دورًا محوريًا في تجميده ثم إسقاطه. وقد ترتب عن ذلك دخول لبنان في مرحلة جديدة من الفوضى السياسية والأمنية، عززت دور الميليشيات، حيث برز حزب الله كفاعل رئيسي، في مقابل إضعاف باقي القوى وعلى رأسها حركة أمل.

وقد اعتبر ذلك الاتفاق حينها تهديدًا للحضور السوري بلبنان، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بتكرار سيناريو كامب ديفيد، ما أدى إلى دعم الميليشيات المعارضة للاتفاق، وتفاقم التوترات التي بلغت ذروتها مع تفجير مقر المارينز في أكتوبر 1983، والذي دفع الجانب الأمريكي إلى إعادة النظر مليًا في الاتفاق. أما في الجانب الآخر، فقد أسهمت الأحداث في تعميق التدخل السوري في لبنان.

اليوم تغيرت موازين القوى والأنظمة كذلك، إذ اتجهت الجمهورية العربية السورية نحو إدارة جديدة تركز فيها على البناء الداخلي، مع تبني عقيدة احترام دول الجوار وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية.

في المقابل، برز انتقال مركز التأثير في القرار اللبناني من دمشق إلى طهران، عبر ورقة حزب الله الذي تمسك بشعار المقاومة في سياسته، والحرس الثوري الإيراني عن طريق فيلق القدس، في إطار علاقة تتجاوز البعد السياسي إلى ارتباط عقائدي متين، خلافًا لما يروج له.

وقد أظهرت الحرب الجارية حاليًا بمنطقة الشرق الأوسط عمق الترابط بين إيران وحزب الله، وكيف بات الجنوب اللبناني ورقة في حسابات الضغط المتبادل على إيران بهدف دفعها إلى تقديم تنازلات في مسار تفاوضي تعمل فيه باكستان على تسهيله متنقلة بذلك بين طهران وواشنطن لإقامته، رغم ما يعتريه من عراقيل وغياب الثقة بين الطرفين، ما يجعل تحققه على المدى القريب أمرًا صعبًا.

وفي هذا السياق تنظر طهران إلى لبنان كجزء من عملية التفاوض إلى جانب اتفاق وقف إطلاق النار، في حين تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية ملفًا منفصلًا، بينما تسعى إسرائيل إلى إنهاء تواجد حزب الله، وفرض خط أمني جديد جنوب لبنان يحمي أمن إسرائيل من أي هجوم مستقبلي.

في خضم هذه التطورات، تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على عقد اجتماعات بين إسرائيل ولبنان بهدف الوصول إلى تفاهمات، وذلك عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين في 16 أبريل 2026.

غير أن السياق الحالي يختلف جذريًا عن مرحلة ما بعد الانسحاب السوري عام 2005، إذ لم تعد إيران تتحرك ضمن بيئة إقليمية مريحة، خاصة بعد تراجع قدرات حزب الله عسكريًا، كما أن المفاوضات المعقدة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بشأن الملف النووي والأموال الإيرانية المجمدة، وتزايد الضغوط الاقتصادية بسبب العقوبات، إضافة إلى آثار الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران والحصار البحري، كلها عوامل تحد من هامش المناورة الإيراني، وتفتح في المقابل نافذة محتملة أمام خروج لبنان من منطق الوصاية.

مع ذلك يبقى لبنان الحلقة الأكثر هشاشة رغم المفاوضات التي يجريها مع إسرائيل، إذ لا تزال العمليات العسكرية مستمرة في الجنوب، مع استمرار التهديدات باستهداف الضاحية الجنوبية ببيروت، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمات اقتصادية ومؤسساتية غير مسبوقة، ورفض حزب الله المفاوضات بشكل قاطع. وهكذا يجد لبنان نفسه مجددًا في قلب صراع إقليمي يربط مستقبله بمآلات المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

وعليه، لم يعد السؤال المطروح اليوم هو كيف انتقل القرار اللبناني من دمشق إلى طهران، بل ما إذا كانت الظروف الحالية ستتيح للحكومة اللبنانية فرصة الظفر باستقلالية القرار والخروج من طاولة المساومات، أم أن لبنان سيظل ساحة لتقاطع الصراعات الإقليمية، ورهينة لاتفاقات وقف إطلاق نار لا تتجاوز كونها هُدنًا تكتيكية قصيرة ضمن صراع شامل وأكثر تعقيدًا.

وفي الختام، لا يسعنا إلا القول إن لبنان بأدبائه وشعرائه وتاريخه الثقافي، سيستعيد يومًا ما وجهته الطبيعية ودوره الذي يليق به.

الآراء الواردة في هذا لمقال لا تعبر بالضرورة عن رأي بلبريس وإنما عن رأي صاحبها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *