فاعل صحراوي يبرز أبعاد إغلاق المركز الصحي للمينورسو بالعيون

في ظل التغييرات المتسارعة التي تشهدها بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، “المينورسو”، والتي شملت خلال الفترة الأخيرة تقليص عدد من الموارد البشرية واللوجستية التابعة لها، إلى جانب إغلاق المركز الصحي التابع للبعثة بمدينة العيون وإنهاء عقود عدد من العاملين به، تتزايد التساؤلات بشأن خلفيات هذه الإجراءات ودلالاتها السياسية والقانونية وانعكاساتها على مستقبل مهمة البعثة الأممية بالإقليم.

وفي هذا السياق، قدم عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش” وكاتب عام تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، قراءة تحليلية لهذه المستجدات، معتبراً أن ما يجري داخل بعثة المينورسو لا يمكن اختزاله في مجرد تدابير إدارية أو مالية مرتبطة بتقليص النفقات، بل يندرج ضمن تحولات أعمق تشهدها مقاربة الأمم المتحدة للملف.

وقال الكاين، في تصريح لـ”بلبريس”، إنه “لا يمكن التعامل مع التغييرات العميقة التي تشهدها بعثة المينورسو حاليا كإجراءات تقشفية عابرة أو مجرد خفض للميزانية، بل هي مؤشر قوي على تحول جذري يعيد صياغة المشهد الجيوسياسي والقانوني لملف الصحراء المغربية، وهو ما يمثل الفصل الأخير في عمر نموذج أممي أضحى متجاوزا ولم يعد صالحا لمتطلبات المرحلة، بدأ في إعفاء مسؤولين سامين، ليمتد إلى إنهاء عقود الأطقم الطبية وإغلاق المركز الصحي في العيون.

ووتابع “نستشف من خلال هذا التحول بروز تراجع في القدرات الميدانية للبعثة، حيث تحولت بفعل خفض الأفراد وسحب المروحيات وإغلاق نقاط المراقبة إلى ما يشبه الهيكل الشكلي، وهو ما يشي بإرادة إحداث قطيعة مع الدور الكلاسيكي للمينورسو الذي أسست من أجله عام 1991 والمتمثل في مراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم الاستفتاء”.

ومن خلال تقليص الدعم الطبي للمراقبين العسكريين، يرى المتحدث أنه “الأمم المتحدة تحد عمليا من قدرتهم على التحرك الطويل ببعض المناطق، وهو ما يفسر أن المنتظم الدولي لم يعد يرى في التواجد البشري الميداني ركيزة للاستقرار، مفضلا الاعتماد على التطور التكنولوجي والسيطرة الأمنية التي يفرضها المغرب على الأرض بموجب بسط سيادته الوطنية على الإقليم في أفق التوصل إلى الإغلاق النهائي للملف”.

وأضاف أنه “من الناحية القانونية، تشكل صياغة القرار رقم 2797 المحرك الأساسي لهذا المسار، إذ ربط مجلس الأمن بوضوح غير مسبوق بين استمرار البعثة وما ستسفر عنه المفاوضات السياسية، حيث أن هذا التوجه يستبق التقرير المرتقب في 2026 عبر فرض واقع لوجستي جديد يمهد لتغيير طبيعة البعثة من قوة لحفظ السلام إلى بعثة سياسية تيسيرية بحد أدنى من التواجد على الأرض، لتجنب أي تداخل مع الإدارة والسيادة المغربية”.

وعلى المستوى الدبلوماسي، اعتبر المتحدث أنه “هذا التحول يعكس توافقا بين القوى الكبرى، فالإدارة الأمريكية تدفع باتجاه إنهاء البعثات الأبدية التي لا تحقق اختراقات سياسية ملموسة، بينما ترى فرنسا، التي اعترفت بالسيادة المغربية على الإقليم، أن تقليص البعثة خطوة طبيعية نحو التطبيع الإداري الشامل، وتكتسب خطوة تسليم المعدات الطبية لجمعيات محلية أبعادا دلالية بالغة الأهمية، حيث تمثل تسليما صريحا بمسؤولية المؤسسات المغربية عن الرعاية الاجتماعية والصحية في المنطقة”.

وشدد على أن “القول بتصفية البنية التحتية للمينورسو والاستغناء عن كبار مسؤوليها يعنيان إنهاء الوضع الاستثنائي الذي خضع له الإقليم لعقود، فالمؤشرات المتجهة نحو أكتوبر 2026 تؤكد أن البعثة لن تكون أداة لإدارة النزاع أو تنظيم الاقتراع، وهو خيار تجاوزه مجلس الأمن تماما، بل ستتحول إلى آلية تقنية لمواكبة الانتقال نحو الحكم الذاتي، لتتحول المينورسو من أداة لإطالة أمد الخلاف إلى وسيلة لإنهائه”.

وخلص إلى أن “هذا التفكيك التدريجي لبنية البعثة يبرهن على أن الأمم المتحدة تكيف إطارها القانوني مع الأمر الواقع المتمثل في سمو المبادرة المغربية للحكم الذاتي. وفي الوقت الذي يكرس فيه هذا التحول نجاح دبلوماسية الواقعية التي تنتهجها المملكة المغربية، فإنه يضع جبهة البوليساريو والجزائر أمام تراجع حاد ونفوذ متآكل داخل مجلس الأمن. لأن إطفاء أنوار مستشفى البعثة بالعيون ليس مجرد إجراء لوجستي، بل هو إغلاق رمزي لصفحة قديمة من تاريخ التدخل الأممي في شمال إفريقيا، وبداية لعهد جديد عنوانه الاستقرار الإقليمي تحت السيادة الوطنية المغربية”.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *