في تدوينة قانونية مطولة نشرها المحامي محمد بن دقاق على صفحته بموقع فايسبوك، قدم قراءة دقيقة في المآلات الإجرائية والموضوعية لاستئناف السنغال أمام محكمة التحكيم الرياضي، على خلفية الجدل الذي رافق نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بالرباط.
وأوضح بن دقاق أن هذه المباراة أفرزت وضعا قانونيا استثنائيا تجاوز حدود المستطيل الأخضر، بعد إعلان الحكم عن ضربة جزاء لصالح المنتخب المغربي في الدقيقة 98 اعتمادا على تقنية الفيديو، وهو القرار الذي دفع لاعبي السنغال إلى مغادرة أرضية الملعب احتجاجا، ما أدى إلى توقف اللعب لنحو 15 دقيقة قبل استئنافه.
ورغم أن النتيجة الميدانية انتهت لصالح السنغال، فإن المسار القضائي داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم عرف تحولا جذريا، حيث اكتفت لجنة الانضباط في مرحلة أولى بفرض غرامات مالية دون تغيير النتيجة، قبل أن تفضي مرحلة الاستئناف التي باشرتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى قرار يقضي بتخسير السنغال بثلاثة أهداف لصفر وتتويج المغرب باللقب.
وسجل المحامي أن هذا التحول يطرح سؤالا محوريا بشأن حظوظ السنغال في قلب النتيجة أمام هيئة التحكيم الرياضي، مؤكدا أن الجواب يمر عبر تحليل النصوص المنظمة، والأخطاء الإجرائية المرتكبة، والسوابق القضائية ذات الصلة.
وأبرز أن قرار لجنة الاستئناف لم يستند إلى تقدير تحكيمي، بل إلى تطبيق صارم لمبدأ المسؤولية الصارمة، الذي لا يترك مجالا لتبرير الانسحاب مهما كانت أسبابه، خاصة في ظل مقتضيات المادة الثانية والثمانين من لوائح المنافسة، التي تعتبر أي فريق يغادر الملعب قبل نهاية المباراة دون إذن الحكم منهزما ومقصيا، وهو ما تعززه المادة الرابعة والثمانون التي تفرض خسارة المباراة بثلاثة أهداف لصفر كجزاء وجوبي لا يقبل التخفيف.
وفي الشق الإجرائي، اعتبر بن دقاق أن الجامعة السنغالية وقعت في خطأ جسيم حين امتنعت عن الطعن في قرار لجنة الانضباط، بل وأصدرت بيانا رسميا قبلت فيه العقوبات المالية، وهو ما يشكل، وفق فقه القانون السويسري المؤطر لإجراءات التحكيم الرياضي، إقرارا ضمنيا بالوقائع.
ويرتبط هذا المبدأ بقاعدة حسن النية، التي تلزم الأطراف بعدم التناقض في مواقفها، ما يجعل واقعة الانسحاب محصنة من الطعن لاحقا، ويقيد إمكانية الدفاع أمام المحكمة.
ورغم ذلك، أوضح المتحدث أن السنغال تحتفظ بحقها في اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي من الناحية الشكلية، استنادا إلى توفر المصلحة المتجددة، بعد أن انتقلت من وضع المتوج باللقب إلى خاسر بثلاثية، وهو ما يخول لها الطعن داخل أجل واحد وعشرين يوما.
وأشار في هذا السياق إلى اجتهادات قضائية سابقة كرست هذا المبدأ، مؤكدا أن صفة التقاضي ترتبط بوجود مصلحة جديرة بالحماية، حتى في حال سبق القبول بحكم ابتدائي.
غير أن بن دقاق شدد على أن هذا القبول الشكلي لا يغير من مآل النزاع موضوعيا، مبرزا أن نطاق المراجعة أمام محكمة التحكيم، رغم شموليته، يظل مقيداً بإمكانية استبعاد دفوع لم يتم إثارتها في المرحلة الابتدائية، وهو ما يضعف موقف السنغال التي لن تتمكن من إنكار واقعة الانسحاب.
كما استحضر سوابق قضائية، من بينها ملف نهائي الوداد والترجي، حيث أكدت الهيئة التحكيمية أن الأخطاء التحكيمية لا تبرر الانسحاب، وأن الامتناع عن استئناف اللعب يعد تخليا صريحا عن المباراة.
وخلصت التدوينة إلى أن اللقب القاري أصبح محصنا من الناحيتين الإجرائية والموضوعية، في ظل تطبيق دقيق لنصوص آمرة واجتهادات مستقرة، معتبرا أن توجه السنغال نحو لوزان يظل حقا مشروعا من حيث الشكل، لكنه يفتقر إلى الأسس الكفيلة بقلب النتيجة، ما يجعل كأس أمم إفريقيا 2025 مستقرة في الرباط بقوة القانون.