في خضم تصاعد التوترات الجيوسياسية في غرب البحر الأبيض المتوسط، برز المغرب كالرابح الأكبر من الأزمة القائمة بين حكومة بيدرو سانشيز وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق تحليل نشرته صحيفة “إل إندبنديتي” الإسبانية. الصراع تفجر بعدما رفضت مدريد السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدتي “روتا” و”مورون دي لا فرونتيرا” في عمليات عسكرية ضد إيران، ما أثار حفيظة واشنطن وهدد استقرار العلاقات بين الحليفين داخل حلف شمال الأطلسي.
تصريحات ترامب الحادة ضد إسبانيا، وتهديده بمراجعة العلاقات العسكرية والتجارية، وضعت مدريد في موقف دفاعي، حيث حاول سانشيز تبرير موقفه بالتمسك بالقانون الدولي ورفض الانخراط في نزاع جديد في الشرق الأوسط، مستندا إلى خبرة الرفض الأوروبي للحروب الخارجية في العراق عام 2003. ومع ذلك، لم تلق هذه المقاربة قبولاً واسعاً في دوائر القرار الأمريكية، التي ترى فيها محاولة للحفاظ على مظلة الأمن الأمريكية دون الالتزام الكامل بأجندتها الاستراتيجية.
في مقابل هذا التوتر، اكتسب المغرب زخماً استراتيجياً متنامياً. فقد بنت المملكة خلال العقد الأخير شراكة متينة مع واشنطن، تقودها دبلوماسية براغماتية بقيادة الملك محمد السادس، ترتكز على التعاون العسكري والأمني والاقتصادي والتنسيق السياسي في ملفات إقليمية حساسة. ويتيح الموقع الجغرافي للمغرب أن يكون منصة لوجستية وعسكرية متقدمة لأي عمليات أمريكية في إفريقيا أو الشرق الأوسط، ما يجعله شريكاً أكثر موثوقية واستقراراً في نظر صناع القرار الأمريكيين.
وتعززت هذه الثقة من خلال مشاركات المغرب في مبادرات دولية دعمتها إدارة ترامب، وخصوصاً في ملفات الشرق الأوسط، بما فيها دوره في مجلس السلام الأمريكي لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، وعلاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل، التي منحته قدرة على التواصل مع مختلف الأطراف. في ظل هذه المعطيات، قد تدفع الأزمة الحالية واشنطن إلى إعادة النظر في انتشارها العسكري في إسبانيا، ما يضع المغرب كخيار استراتيجي مطروح بقوة للولايات المتحدة.
بهذا، لم يعد المغرب دولة على هامش المعادلات الدولية، بل أصبح لاعباً محورياً في شبكة التحالفات الجديدة، يجمع بين الواقعية السياسية والانفتاح الدبلوماسي ليكون جسر تواصل بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، وشريكاً موثوقاً للقوى الكبرى في زمن تتزايد فيه الاضطرابات الدولية.