ما كان يتردد في كواليس مخيمات تندوف قبل أيام قليلة فقط كأحد الأسماء الصاعدة التي قد ترسم ملامح مرحلة ما بعد إبراهيم غالي، تحول اليوم إلى مجرد رقم في سجل جبهة البوليساريو الانفصالية. أعلنت قيادة هذا الكيان الانفصالي مقتل لحبيب محمد عبد العزيز برفقة اثنين من مرافقيه إثر استهدافهم بطائرة مسيرة خلال محاولة اقترابهم من المنطقة العازلة.
خلف بيان الحداد الرسمي لمدة ثلاثة أيام، تخفي الجبهة الانفصالية واقعا أكثر تعقيدا، فالمولود سنة 1989 داخل مخيمات تندوف لم يكن مجرد قائد ميداني عادي، بل أحد أبرز الوجوه العسكرية الانفصالية التي راكمت حضورا متزايدا داخل دوائر القرار، مستفيدا من رمزية اسم والده وعلاقته بالجبهة.
يتحدث مساره العسكري بوضوح عن حجم الثقة التي كانت تولى له داخل التنظيم، بينما يرى مراقبون آخرون أن تلك المناصب بحجم الترضيات لتيار عبد العزيز القوي داخل المخيمات. منذ التحاقه بالميلشيات الانفصالية سنة 2011 بعد حصوله على شهادة في العلاقات الدولية، لم يتوقف عن الصعود في السلم القيادي مستفيدا من دعم جزائري له. قاد فصيلة ثم كتيبة، وتقلد مسؤوليات متعددة قبل أن يصبح مديرا مركزيا للتدريب، وصولا إلى قيادة اللواء الأول الميداني سنة 2024، إضافة إلى انتخابه عضوا بالأمانة الوطنية خلال المؤتمر السادس عشر للجبهة الانفصالية.
جعل هذا الصعود السريع مراقبين يعتبرون مقتله ضربة موجعة وخسارة نوعية للجبهة، لكن ذلك يعكس في المقابل الوجه الخفي لصراع أعمق على الزعامة. فمع تقدم إبراهيم غالي في السن وتدهور وضعه الصحي، فتحت مسألة الخلافة بابا واسعا من المناورات داخل قيادات البوليساريو.
اللافت أن اسم لحبيب كان يطرح بقوة في الكواليس كمرشح محتمل لخلافة غالي مستقبلا، مستغلا إرث والده ووجوده داخل الميليشيات الانفصالية التي تشكل العمود الفقري للجبهة.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحا اليوم، هل كان مقتل نجل عبد العزيز مجرد صدفة في منطقة عمليات، أم أن هناك من أراد قطع الطريق أمام أي شخص قد ينازع على القيادة في مرحلة ما بعد غالي؟ وهل قام الأخير بتشاور مع مناصريه من قادة الانفصال فزجوا بلحبيب ولد عبد العزيز إلى مقبرة مفتوحة اسمها المنطقة العازلة، التي لا تبقي ولا تذر كل من يحاول اختراق أمن وسلامة الوحدة الترابية للمملكة المغربية؟.
كانت بعض القيادات تدرك جيدا أن شخصية بحجم لحبيب بثقله داخل المخيمات، ما جعلها تسعى جاهدة إلى تنحيته. والحال أنه قتل في هذه الواقعة، فإن مراقبين يرون في المرحلة المقبلة انفتاح المخيمات على انفلات غير مسبوق يضع الساكنة والقيادة الانفصالية ومصيرها في كف عفريت، خاصة بعد مقتل أحد الوجوه البارزة الذي كان يقود تيارا قويا ظل يبسط نفوذه الخفي على التوجه العام داخل المخيمات.