في مشهد يعكس حالة التخبط والارتباك التي تعيشها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، جمعت وقائع الأيام القليلة الماضية بين التناقضات: حفل تكريم مؤثر لمدرب ترك بصمته، وإعلان عن خليفة له في صمت، وفوضى نهائي كأس أمم إفريقيا التي لا تزال ترمي بظلالها، وأخيراً “شوهة” جديدة تمثلت في إقصاء عدد من الصحفيين من تغطية تكريم وليد الركراكي.
الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم مشروعة ومقلقة: كيف يمكن لجامعة تدير كرة القدم في بلد يحلم بتنظيم كأس العالم أن تنزلق إلى هذا المستوى من سوء التدبير والتواصل؟ وأين كان المكتب التنفيذي للجامعة عندما كانت صورة المغرب تُشوه في نهائي “الكان” أمام أعين الملايين؟
مساء الخميس بالمركب الرياضي محمد السادس بالمعمورة، كان من المفترض أن يكون حفل تكريم وليد الركراكي لحظة وفاء وتقدير لمدرب أعاد للمغرب هيبته الكروية عالمياً ببلوغ نصف نهائي مونديال قطر 2022. رئيس الجامعة فوزي لقجع كان صريحاً في اعترافه بأن إنجاز الركراكي “سيظل محفوراً في ذاكرة التاريخ”، ووصفه بالمدرب الذي “قطع مع منطق المشاركة من أجل المشاركة”. لكن خلف كواليس هذه الأجواء التأثرية والاعتراف بالجميل، كانت هناك “شوهة” أخرى تضاف إلى سلسلة الأخطاء: قرار إقصاء عدد من الصحفيين من حضور هذا التكريم. فبينما كان الجميع ينتظر لحظة وداع لائق لرجل قاد “أسود الأطلس” لتحقيق إنجاز غير مسبوق عربياً وإفريقياً، تفاجأ الوسط الإعلامي بقرارات استبعاد وصفت بالانتقائية وغير المبررة. هذا الإجراء، وإن بدا للوهلة الأولى إدارياً بحتاً، إلا أنه في جوهره يعكس مشكلة أعمق تتعلق بعلاقة الجامعة بالصحافة، خاصة في مرحلة دقيقة تحتاج فيها المؤسسة الوصية على كرة القدم المغربية إلى تغطية إعلامية موضوعية وشفافة. فبدل أن تكون لحظة التكريم فرصة لطي صفحة الماضي بانتصاراته وإخفاقاته، تحولت إلى مشهد جديد يطرح تساؤلات حول مدى تقبل الجامعة للنقد أو حتى للمواكبة الإعلامية المتوازنة.
إذا كانت “شوهة” تكريم الركراكي محدودة نسبياً، فإن الجرح الأعمق الذي لا يزال ينزف هو ما جرى في نهائي كأس أمم إفريقيا 2026 بالرباط. فبعد أن هيأ المغرب كل الظروف ليكون النهائي احتفالاً كروياً يليق بمنتخبين كبيرين، تحولت المباراة إلى مهزلة تحكيمية وتنظيمية حسب توصيف الصحافة الدولية. صحيفة “كلاينه تسايتونغ” النمساوية كانت قاسية عندما كتبت: “في النهائي يمكن للجميع أن يخسر. أولهم الحكم جان جاك ندالا، الذي لم يسيطر على مباراة اتسمت بالفوضى، وأسهم بقراراته المثيرة للجدل في تحويل المباراة إلى مهزلة”. أما موقع “توتال ريال” فوصف إبراهيم دياز بالبطل التراجيدي بعد إهداره ركلة “بانينكا” المخيبة. وصحيفة “بيلد” الألمانية قالت إنه “نهائي لم تشهده البطولة من قبل”، مشيرة إلى أنه سيبقى في الذاكرة ليس بسبب المستوى الرياضي، بل بسبب الأحداث غير الرياضية التي طغت عليه. لكن المثير للاستغراب هو الصمت المطبق للمسؤولين المغاربة في دواليب الاتحاد الإفريقي والمكتب التنفيذي. فبينما كان الحكم الغابوني يقدم أداءً كارثياً، وبينما كانت الجماهير المغربية تتعرض لمواقف احتقان غير مسبوقة، أين كان صوت الجامعة المغربية في الغرف المغلقة؟ وأين كانت تحركاتها الدبلوماسية داخل أروقة “الكاف” للدفاع عن حقوق المنتخب المغربي؟ الواضح أن الجامعة فشلت فشلاً ذريعاً في توظيف ثقلها السياسي والرياضي داخل الاتحاد القاري. فبدلاً من أن تكون صوتاً قوياً يحمي مصالح الكرة المغربية، بدت وكأنها تتابع الأحداث من الخارج، لتستيقظ في اليوم التالي على عناوين صحفية دولية تصف النهائي بالفضيحة والمهزلة.
وسط هذا الجو المشحون، أعلن فوزي لقجع عن تعيين الإطار الوطني محمد وهبي مدرباً جديداً للمنتخب المغربي خلفاً للركراكي. وهبي القادم من تتويج تاريخي بكأس العالم لأقل من 20 سنة، يواجه مهمة شبه مستحيلة: إعادة الثقة لجمهور غاضب، وقيادة المنتخب في مونديال 2026 بمجموعة تضم البرازيل وإسكتلندا وهايتي. لقجع حاول في الندوة الصحفية طمأنة الجماهير بالتأكيد على أن “الأمر لا يتعلق بصياغة منظومة جديدة من الصفر، بل بمواصلة العمل على المسار نفسه”. لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً: أي مسار هذا الذي نتحدث عنه؟ هل هو المسار الذي أوصلنا لنصف نهائي المونديال أم المسار الذي قادنا لنهائي “الكان” المشوه؟ الركراكي في كلمة وداعه بدا واعياً بحجم التحديات، عندما شدد على أن “نهاية رحلتي مع المنتخب تأتي في إطار التطور والاستمرارية”. لكن هل يمكن الحديث عن استمرارية حقيقية في ظل فشل ذريع على مستوى التمثيلية داخل الاتحاد الإفريقي، وسوء تدبير للعلاقة مع الإعلام، وعجز عن استخلاص الدروس من أخطاء “الكان”؟
ما تمر منه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرتها على التعامل مع التحولات الكبرى. فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر، كان الجميع ينتظر قفزة نوعية في تدبير الشأن الكروي، لكن ما وقع في نهائي “الكان” وما يقع في تدبير العلاقة مع الإعلام يكشف عن هشاشة مؤسساتية مقلقة. المطلوب اليوم ليس مجرد تغيير مدرب أو تنظيم حفل تكريم، بل مراجعة شاملة لآليات اشتغال الجامعة، خاصة في ما يتعلق بالدبلوماسية الرياضية داخل الاتحادين الإفريقي والدولي، وفي ما يخص العلاقة مع وسائل الإعلام التي تظل شريكاً أساسياً في أي مشروع كروي طموح. محمد وهبي سيبدأ مشواره بمباراتين وديتين أمام الإكوادور والبراغواي، لكن الأهم من النتائج الرياضية هو قدرة الجامعة على توفير مناخ صحي ومستقر يمكن هذا المدرب الشاب من العمل في ظروف طبيعية. وإلا فإن “شوهات” التكريم والإقصاء ستتكرر، وستبقى صورة المغرب الكروي رهينة لأخطاء إدارية وتنظيمية كان يمكن تجاوزها بكل بساطة.