في خطوة تشريعية جديدة ضمن مسار تحديث منظومة العدالة، عبر فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين عن مساندته لمشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، معتبرا أن النص يشكل حلقة أساسية في استكمال إصلاح المهن القانونية والقضائية وتعزيز حكامة القطاع.
وجاء هذا الموقف خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع، يوم أمس الأربعاء 4 من شهر مارس الجاري، حيث أبرز المستشار البرلماني محمد حنين أن مشروع القانون لا يقتصر على تعديل تقني، بل يؤسس لتحول نوعي في تأطير مهنة العدول، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها المنظومة القانونية الوطنية مؤكدا أن هذه المهنة، المتجذرة في التاريخ القضائي المغربي، تضطلع بأدوار محورية في توثيق المعاملات المدنية وصون الحقوق، وتتمتع بحمولة دينية واجتماعية تعزز الثقة والأمن التعاقدي داخل المجتمع.
وأشار المتدخل إلى أن من أبرز مستجدات المشروع الانتقال من مفهوم “خطة العدالة” إلى “مهنة العدول”، في دلالة واضحة على تحديث المقاربة التشريعية وترسيخ البعد المهني المؤطر بقواعد واضحة، كما نوه باعتماد نظام المباراة لولوج المهنة، تكريسا لمبدأي الاستحقاق وتكافؤ الفرص، داعيا في الوقت ذاته إلى الارتقاء بمنظومة التكوين، سواء الأساسي أو المستمر، وربطها بمؤسسات جامعية متخصصة في العلوم الشرعية والقانونية لضمان تأهيل علمي متين.
وسجل الفريق أهمية تدقيق الالتزامات المهنية للعدول بما يحقق الانسجام مع باقي المهن القضائية، مع التشديد على ضرورة حماية حقوق المرتفقين باعتبار خدمات العدول جزءا من الخدمة العمومية المؤداة باسم الدولة، وهو ما يستوجب معايير صارمة في الجودة والشفافية والمصداقية.
وفي سياق مواكبة التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة العمومية، دعا الفريق إلى تسريع رقمنة المهنة وتحديث منظومة الأرشفة، بما يسهم في تبسيط المساطر وتقليص آجال المعالجة، ويرفع من نجاعة الأداء، كما جدد دعوته إلى توسيع اختصاصات العدول لتشمل الوساطة الأسرية والإشهاد على الطلاق الاتفاقي، في إطار يخفف العبء عن المحاكم ويُسرّع الإجراءات، مع الإبقاء على الرقابة القضائية النهائية.
وخلص محمد حنين من خلال مداخلته بالتأكيد على انخراط فريقه في مقاربة تشاركية لتجويد النص التشريعي، بما يحقق التوازن بين تحديث المهنة والحفاظ على خصوصيتها، ويعزز موقعها داخل منظومة العدالة الوطنية، في انسجام مع التوجيهات الملكية الرامية إلى إصلاح عميق وشامل لهذا الورش الحيوي.
ويكتسي موقف فريق التجمع الوطني للأحرار الداعم لمشروع القانون رقم 16.22 أبعادا سياسية تتجاوز النقاش التقني حول مضامين النص، إذ يُقرأ باعتباره إسنادا واضحا لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، ويعكس هذا التقاطع بين مكونات الأغلبية الحكومية حرصا على توحيد الموقف بشأن الإصلاحات المرتبطة بمنظومة العدالة، وتقديم صورة انسجام سياسي في مواجهة الجدل المهني المتصاعد حول المشروع.
في المقابل، يتزامن هذا الزخم التشريعي مع تصعيد ميداني غير مسبوق داخل قطاع التوثيق العدلي، حيث أعلنت الهيئة الوطنية للعدول خوض إضراب وطني شامل انطلق يوم 2 مارس الجاري ويمتد إلى غاية 10 منه، ما تسبب في توقف شبه كلي لعمل مكاتب العدول عبر مختلف الدوائر القضائية.
ويعكس هذا التحرك الاحتجاجي حالة الاحتقان داخل الجسم المهني، الذي يعتبر أن الصيغة الحالية للنص القانوني تتضمن مقتضيات تمس ببعض المكتسبات وتستوجب المراجعة.
في مقدمة هذه النقاط، يرفض المهنيون تحميلهم مسؤولية ضمان نتيجة التسجيل العقاري دون تمكينهم من آلية قانونية لإيداع الأموال لدى صندوق الإيداع والتدبير، مؤكدين أن غياب هذه الوسيلة يعرض حقوق المتعاقدين لمخاطر محتملة، ويضع العدل في مواجهة مباشرة مع تعقيدات المساطر العقارية دون حماية مؤسساتية كافية.
كما يسجل العدول اعتراضهم على معايير الولوج المقترحة، معتبرين أن توسيع قاعدة التخصصات بشكل غير منسجم مع طبيعة المهنة قد ينعكس سلبا على مستوى التأهيل العلمي ويؤدي إلى إضعاف الهوية التوثيقية للمهنة، مقارنة بباقي المهن القانونية المنظمة.
ومن بين النقاط المثارة أيضا، ما يرتبط بمراجعة ضوابط “شهادة اللفيف”، حيث يرى المهنيون أن التشدد في شروطها، خاصة ما يتعلق بسند القرابة، من شأنه تعقيد مساطر إثبات بعض الحقوق ذات الطابع العائلي والتاريخي، وهو ما قد ينعكس مباشرة على مصالح فئات واسعة من المواطنين.
وتختزل هذه الاعتراضات، بحسب المعنيين، تخوفا من أن يؤدي المشروع بصيغته الحالية إلى تحميل المهنة أعباء إضافية دون توفير الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية العدول والمتعاملين معهم على حد سواء.
وبين دعم برلماني صريح ورهانات مهنية متوترة، يجد مشروع تنظيم مهنة العدول نفسه في قلب اختبار دقيق يوازن بين منطق الإصلاح المؤسسي ومتطلبات التوافق مع الفاعلين المعنيين بتنزيله على أرض الواقع.