قالت نعيمة بنيحيى، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، إن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم تضع السياسات العمومية أمام مسؤولية مزدوجة تتمثل في حماية المكتسبات الاجتماعية وتطوير أدوات الإنصاف بما يضمن ترسيخ العدالة الاجتماعية وتعزيز صمود المجتمعات، وذلك في كلمة ألقتها، اليوم الاثنين، خلال الدورة العاشرة لمنتدى العدالة الاجتماعية المنعقد بمجلس المستشارين تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.
وأعربت الوزيرة في مستهل كلمتها عن شكرها لرئيس مجلس المستشارين وكافة مكونات المجلس على الدعوة والمبادرة بتنظيم هذا المنتدى، منوهة باختيار شعار الدورة المتعلق بالعدالة الاجتماعية في عالم متحول، لما يحمله من دقة في تشخيص المرحلة الراهنة. واعتبرت أن الحماية الاجتماعية تشكل اليوم رافعة أساسية للعدالة الاجتماعية وضمانة لصون الكرامة الإنسانية، كما تمثل مدخلا رئيسيا لتعزيز صمود المجتمع في مواجهة مختلف الصدمات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية.
وأكدت بنيحيى أن العدالة الاجتماعية تعد مقوما مركزيا لبناء الدولة الاجتماعية كما أرساها جلالة الملك، مبرزة أن الجهود المبذولة في هذا المجال تندرج في صلب التوجيهات الملكية السامية التي جعلت من العدالة الاجتماعية خيارا استراتيجيا ومبدأ موجها للعمل العمومي. واستحضرت في هذا السياق ما ورد في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في المنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية سنة 2016، والتي شددت على الترابط الوثيق بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي، معتبرة أن تحقيق النمو يظل بلا معنى إذا لم يصاحبه توزيع منصف لثماره عبر سياسات عمومية فعالة.
وأبرزت أن هذا الاختيار الملكي يستند إلى مرجعية دستورية واضحة، من خلال دستور 2011 الذي كرس إرساء مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص، مبرزة مقتضيات الفصول الدستورية المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز، والولوج المتكافئ إلى الخدمات الأساسية، والعناية الخاصة بالفئات في وضعية هشاشة، وترسيخ قيمة التضامن كقاعدة جامعة لتقاسم الأعباء ومواجهة المخاطر.
وشددت الوزيرة على أن بناء الدولة الاجتماعية مسار استراتيجي يربط الإنصاف بالصمود، ويشكل ورش تعميم الحماية الاجتماعية أحد أهم مرتكزاته، من خلال توسيع التغطية الصحية، وتقوية آليات الاستهداف الاجتماعي، وتطوير منظومة الدعم والحماية لفائدة الأسر والفئات ذات الاحتياج الخاص، مبرزة تكامل هذا الورش مع إصلاحات التعليم والصحة والتكوين، وتعزيز الإدماج الاقتصادي وخلق فرص الشغل وتقليص الفوارق المجالية وتحسين الحكامة وتطوير خدمات القرب.
وفي عرضها للأبعاد القيمية للعدالة الاجتماعية، أوضحت بنيحيى أنها تقوم أساسا على الإنصاف والكرامة وتكافؤ الفرص والمساواة والتضامن ومحاربة كل أشكال التمييز، معتبرة أن قيمة الإنصاف توجه الجهد العمومي نحو الفئات الأبعد عن الخدمات والفرص، فيما تتجسد الكرامة في جودة الخدمات واحترام المواطن في المساطر والاستقبال، ويمنح تكافؤ الفرص والمساواة وعدم التمييز بعدا عمليا لتصحيح الفجوات المرتبطة بالمجال والنوع والإعاقة والهشاشة والتحولات الرقمية.
وفي ما يخص عمل وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، أكدت الوزيرة أن القطاع يواصل تنزيل برامجه في انسجام مع التوجيهات الملكية والمقتضيات الدستورية والبرنامج الحكومي، من خلال تطوير وتنويع العرض في مجال الخدمات الاجتماعية، وتعزيز المساعدة الاجتماعية ومحاربة الفقر والهشاشة، ودعم التماسك الاجتماعي عبر التكوين والإرشاد والتكفل بالفئات المحتاجة داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، إلى جانب إحداث جيل جديد من الخدمات الموجهة للأسر والفئات الهشة، من بينها تخصيص دعم مالي شهري قدره 500 درهم للمستفيدين من مؤسسات الرعاية الاجتماعية بدون سند عائلي.
وأشارت إلى بلورة أول سياسة عمومية للأسرة، تقوم على برامج وقائية واستباقية تشمل التربية الوالدية والوساطة الأسرية والتمكين الاقتصادي للأسر والنساء وتطوير خدمات مساعدة الأمومة، باعتبار الأسرة نواة أساسية لبناء مجتمع متماسك وقادر على الصمود. كما تطرقت إلى تنزيل السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة، وإدماج الأطفال في وضعية شارع، والأطفال المعرضين للاستغلال في التسول، والفتيات المهددات بالزواج المبكر.
وفي مجال النهوض بحقوق المرأة، أكدت الوزيرة استمرار الجهود لتعزيز المساواة وتمكين النساء والفتيات وحمايتهن من العنف ومحاربة الصور النمطية، مبرزة برامج مشاركة النساء في الحياة السياسية للفترة 2026-2027، وبرنامج التمكين الاقتصادي الذي مكن من تكوين 15 ألف امرأة، إلى جانب آليات التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، وبرامج محاربة العنف ضد النساء والفتيات وضمان ولوجهن إلى خدمات الإرشاد والدعم والعدالة.
كما توقفت عند البرامج الموجهة للأشخاص المسنين، في ظل التحول الديموغرافي وتسارع وتيرة الشيخوخة، من خلال تعزيز خدمات الرعاية والحماية وإحداث النوادي النهارية، بما يحقق التوازن بين التكفل الاجتماعي والحفاظ على الروابط الأسرية والتضامن بين الأجيال. وبخصوص الأشخاص في وضعية إعاقة، أبرزت تطوير برامج الإدماج وتحسين تمدرس الأطفال، ودعم المشاريع المدرة للدخل، وتأهيل مراكز الاستقبال، وإعداد نظام جديد لتقييم الإعاقة منسجم مع القانون الإطار والاتفاقيات الدولية، إلى جانب إطلاق البحث الوطني الثالث حول الإعاقة لسنة 2026.
وأكدت بنيحيى أن إصلاح منظومة مؤسسات الرعاية الاجتماعية يشكل ورشا محوريا، يهدف إلى ملاءمة هذه المؤسسات مع الإطار القانوني، وتأهيل بنياتها وتجهيزاتها، وتحسين جودة الخدمات، بما يساهم في الحد من الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي.
كما أعلنت فتح ورش الاستثمار في اقتصاد الرعاية، باعتباره قطاعا واعدا لإحداث فرص الشغل، وتمكين النساء، وتحسين ظروف العاملين الاجتماعيين، مع إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لتنظيم المهن الاجتماعية وتوسيع شبكة معاهد العمل الاجتماعي.
وفي ختام كلمتها، شددت الوزيرة على أن تحقيق العدالة الاجتماعية يمر عبر حماية الطفولة وتمكين النساء ودعم الأشخاص في وضعية إعاقة وصون كرامة المسنين ومواكبة الأسر الهشة، مؤكدة أن بناء نظام متكامل للحماية الاجتماعية يظل رهينا بتوفير خدمات ذات جودة عالية قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية والاستجابة للتحديات المستجدة، مجددة شكرها للجهات المنظمة ولكافة المشاركين، ومؤكدة التزام وزارتها بمواصلة العمل المشترك من أجل سياسات اجتماعية أكثر إنصافا ومجتمعات أكثر صمودا في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس.