أخنوش يودع رئاسة الأحرار: مسار عقد من القيادة والتحول

في كلمة وازنة خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، المنعقد يوم 7 فبراير بمدينة الجديدة، قال عزيز أخنوش إن اللحظة التي يلتئم فيها الحزب اليوم تختزل مسارا طويلا من التجربة والمسؤولية، وتنعقد في سياق دقيق سواء على المستوى الحزبي أو الوطني، مؤكدا أنه يقف أمام المؤتمرات والمؤتمرين بنفس الوعي والطموح الصادقين اللذين رافقاه منذ البداية في خدمة الحزب والوطن، بعيدا عن منطق المواقع والصفات، وقريبا من إيمان عميق بالعمل الحزبي الجاد باعتباره أساس الممارسة الديمقراطية السليمة.

وأضاف أن الحزب اختار منذ انطلاقته وضع الوطن في صدارة اختياراته، وجعل بوصلته موجهة نحو المصلحة العامة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الأوطان لا تبنى بالشعارات العابرة، بل بصدق الالتزام ووضوح الرؤية، مبرزا أن المرحلة الراهنة تفرض على الحزب، باعتباره قوة وطنية، الارتقاء إلى مستوى التحديات وتقديم نموذج سياسي مختلف يعيد الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، ويجدد الثقة بين السياسة والمجتمع، في مغرب يعرف تحولات متسارعة ويحتاج نخباً سياسية واعية وأحزاباً قوية في مرجعياتها ومسؤولة في ممارساتها.

وتابع أن هذه التحولات تقود نحو مغرب صاعد بثبات، يعزز مكانته إقليميا ودوليا، انسجاما مع الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، التي جعلت من العدالة الاجتماعية وتعزيز المؤسسات ركيزتين أساسيتين، معتبرا أن المسؤولية الملقاة على عاتق الحزب اليوم جسيمة، وتفرض تسخير كل الطاقات لخدمة الوطن، لأن قوة الحزب تستمد من التزام مناضليه ووضوح اختياراته السياسية.

واستحضر أخنوش محطة 29 أكتوبر 2016، معبرا عن شعوره بالفخر بما تحقق جماعيا للحزب وبما ساهم في إعادة الاعتبار للممارسة السياسية في معناها النبيل، ممارسة تقوم على الالتزام والمسؤولية وخدمة الصالح العام، مشيرا إلى أن تلك اللحظة شكلت وعيا عميقا بحجم المرحلة وبثقل المسؤولية، ليس فقط في قيادة تنظيم سياسي، بل في المساهمة في تصحيح سياق سياسي عام، وهو ما أطلق مسارا جديدا قائما على الوضوح وربط القول بالفعل واستعادة الثقة في السياسة كأداة للتغيير الحقيقي.

وأوضح أن هذا المسار انطلق فعليا منذ سنة 2017 من مدينة الجديدة، حاملا رهان بناء حزب قوي ومتماسك، يتوفر على أدوات اشتغال حديثة ويؤسس لديمقراطية داخلية حقيقية تضمن تكافؤ الفرص وتدمج جميع المناضلات والمناضلين دون إقصاء، مؤكدا أن الحزب اختار الديمقراطية الاجتماعية كمرجعية واضحة توازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، مع الانفتاح على المجتمع وعدم الانغلاق داخل النخبة.

وأكد أن خيار إحداث المنظمات الموازية كان خيارا استراتيجيا لتمكين الشباب والنساء وفتح المجال أمام مختلف الفئات المهنية، حتى يكون الحزب مرآة حقيقية لتنوع المجتمع، مبرزا أن العمل الحزبي لم يُنظر إليه كسباق نحو الصدارة، بل كأداة لصناعة التغيير الحقيقي، وأن النقاش وتعدد الآراء شكلا دائما مصدر قوة ودليلا على حيوية التنظيم.

وقال أخنوش إن العمل المنبثق من الميدان ظل أساس كل فعل سياسي جاد، مشددا على أن أي مشروع لا ينصت لنبض الواقع يظل محكوما عليه بالانفصال عن المجتمع، ومن هذا المنطلق أطلق الحزب المؤتمرات الجهوية سنة 2018 كفضاءات حقيقية للنقاش والحوار، أسهمت في بناء الثقة وصياغة أبجديات العمل الحزبي، ومنها انبثق “مسار الثقة” كمساهمة فكرية جماعية قائمة على الإنصات والاستماع للمواطنات والمواطنين حول أولوياتهم الحقيقية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والتشغيل.

وأضاف أن هذه الأولويات شكلت ركائز أساسية للاستقرار المجتمعي والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وتمت مباشرتها بروح المسؤولية ومنهجية واقعية، مع الانفتاح على جميع الفاعلين، لأن القضايا الكبرى لا يمكن أن تكون موضوع احتكار سياسي، مذكرا بإطلاق مبادرة “100 يوم، 100 مدينة” التي مكنت الحزب من الاقتراب من المواطن، خاصة في المدن الصغرى والمتوسطة، وأكدت أن التغيير الحقيقي يبدأ من ملامسة الواقع، وهو ما قاد إلى إطلاق “مسار المدن” وترسيخ سياسة القرب.

وتابع أن هذا التراكم الميداني تُوِّج بتقديم برنامج انتخابي سنة 2021، وصفه بالواقعي والطموح، نابع من الاستماع والتشخيص، مؤكدا أن ثقة المواطنين شكلت أمانة ومسؤولية كبرى، فرضت تشكيل أغلبية حكومية قوية ومتماسكة تشتغل بمنطق الفريق، وتصوغ برنامجا حكوميا مشتركا واضح الأولويات وقابلا للتنزيل، في سياق دولي ووطني معقد اتسم بتداعيات الجائحة والتحولات الجيوسياسية والجفاف.

وأشار إلى أن الحكومة واجهت هذه التحديات بروح المسؤولية، مع الحفاظ على التوازن بين الاستعجال الاجتماعي والتوازنات الكبرى، مبرزا أن ما يعتز به هو الإسهام في ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، من خلال تعميم التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، والاستثمار في المدرسة العمومية والصحة وكرامة المواطن، إلى جانب اعتماد الحوار الاجتماعي كرافعة للاستقرار، وحماية التوازنات الماكرو-اقتصادية لضمان استدامة السياسات الاجتماعية.

وأكد أن الصدارة لم تكن يوما غاية في حد ذاتها، بل حافزا لمواصلة العمل والتواصل مع المواطنين، مبرزا أن الثقة لا تصان بالنتائج الانتخابية فقط، بل بالفعل اليومي والإنصات المستمر، وهو ما تُرجم في “مسار التنمية” و“مسار الإنجازات”، اللذين ربطا العمل المحلي بالحصيلة الحكومية، وكرسا إصلاحات عميقة في مجالات التشغيل والتعليم والصحة، حتى وإن تأخر ظهور بعض ثمارها.

وفي حديثه عن التنظيم، قال إن الحزب استثمر في الشباب والنساء، وأحدث 19 منظمة موازية، وعزز الديمقراطية الداخلية، مؤكدا أن المؤشرات التنظيمية والسياسية تعكس صحة الحزب ومكانته كقوة أولى في المشهد السياسي، وهو موقع يحمل مسؤولية مضاعفة تجاه الوطن.

وفي ختام كلمته، أعلن أخنوش عدم السعي نحو ولاية ثالثة، معتبرا القرار نابعاً من احترام قوانين الحزب وقناعة راسخة بأن القيادة مسؤولية مؤقتة لا امتيازا دائما، ومتمنيا التوفيق لمحمد شوكي في قيادة الحزب خلال المرحلة المقبلة، مع الدعوة إلى الالتفاف الجماعي حول القيادة الجديدة استعدادا لاستحقاقات 2026.

وتحدث في لحظة إنسانية صادقة عن مساره وتجربته، مؤكدا أن السياسة تظل عملا نبيلا متى ارتبط بالصدق وخدمة الصالح العام، وأن معركته كانت دائما ضد الفقر والهشاشة، معبرا عن فخره بما تحقق وبالثقة التي حظي بها، ومشددا على أن ما يجري اليوم ليس انسحابا من الالتزام، بل انتقالا هادئا ومسؤولا يفتح الطريق أمام جيل جديد من القيادة، ويجدد نفس العمل السياسي في إطار رؤية موحدة لبناء المغرب الصاعد، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *