اختفاء خبير اقتصادي يسلط الضوء على انحراف السلطة الجزائرية

في خطوة أثارت جدلاً واسعًا، اختفى الخبير الاقتصادي الجزائري جلول سلامة منذ عدة أيام بعد تحليله لمشروع منجم الحديد غار جبيلات، ما يسلط الضوء على تصاعد القمع ضد الخبرة الاقتصادية حتى داخل دائرة المقربين من السلطة. وأكدت مصادر موثوقة أن أمر توقيفه جاء بتعليمات مباشرة من الرئيس عبد المجيد تبون، وهو ما يعكس تصعيدًا غير مسبوق تجاه التحليل التقني المبني على الوقائع.

سلامة، المهندس والاقتصادي والخبير في الإدارة المالية، كان يُعتبر صوتًا مهنيًا موثوقًا داخل الإعلام والدوائر الاقتصادية الرسمية، حيث شارك بشكل دوري في برامج التلفزيون الوطني والخاصة، ناقلاً تحليلات دقيقة دون أي خلفية سياسية أو معارضة للنظام. ومع ذلك، اكتسب تحليله الأخير حول مشروع غار جبيلات طابعًا حساسًا لأنه كشف عن ثغرات جوهرية في الجدوى الاقتصادية للمشروع، وهو ما اعتبرته السلطة تهديدًا للرواية الرسمية حول المشاريع الرئاسية الكبرى.

في مداخلته على قناة «الحياة تي في»، أشار سلامة إلى أن جودة خام الحديد في غار جبيلات أدنى من مناجم أخرى مثل منجم الونزة، كما ركز على مشكلات النقل، وتكاليف البنية التحتية، والضغوط المالية الهائلة. وخلص إلى أن المشروع لن يكون مربحًا إلا بحلول منتصف القرن، مع التأكيد على أن تصدير الخام دون معالجة محلية سيحد من العائد ويزيد التبعية للأسواق العالمية.

ورغم تحليله الهادئ والمتخصص، تم تصنيف رأيه على أنه تهديد سياسي، فالمشروع لم يعد مجرد استثمار اقتصادي بل أصبح رمزًا للسلطة الرئاسية، والتشكيك فيه، حتى بطريقة عقلانية وتقنية، اعتُبر خرقًا للرواية الرسمية.

ووفقا لمصادر قريبة من العائلة، فقد ظل سلامة مختفياً دون أي إخطار رسمي لأيام، مع عدم وجود مذكرة توقيف أو إشعار قانوني، حتى تم تأكيد احتجازه لدى فرقة الأبحاث بباب الجديد بالعاصمة، وهي وحدة تابعة للدرك الوطني، تحت إشراف مباشر من الرئيس تبون.

هذه الحادثة تعكس مدى اتساع رقعة القمع في الجزائر، حيث لم تعد السلطة تكتفي بملاحقة المعارضة السياسية أو الصحفيين المستقلين، بل توسعت لتطال الخبراء والفكر العقلاني. وتكشف أيضًا عن مناخ من الخوف والتعسف المؤسساتي، حيث أصبح التعبير عن الرأي الاقتصادي أو التحليل المستقل معرضًا للمعاقبة المباشرة.

الأرقام الاقتصادية لمشروع غار جبيلات تزيد من حدة الجدل: تكلفة إنشاء خط سكة حديد يمتد نحو 950 كيلومتراً لربط المنجم بميناء وهران تصل إلى 3.5 – 6 مليارات دولار، بالإضافة إلى تكاليف تنقية الخام، والطاقة، والمياه، والبنية التحتية، والتشغيل السنوي. مقارنة بعائد سنوي محتمل لا يتجاوز 1.5 مليار دولار، يظهر اختلال واضح بين التكلفة والعائد، مما يجعل المشروع، بحسب خبراء، مغامرة مالية ضخمة بلا ضمانات للنجاح.

في المقابل، يظل سلامة مؤمنًا بضرورة الاستثمار في التحويل المحلي وصناعة الصلب لإيجاد قيمة مضافة داخل الجزائر، وهو ما يعتبر السبيل الوحيد لتعظيم الربحية وتأمين السيادة الصناعية على المدى الطويل.

تعكس قضية سلامة أيضًا توسع دائرة الرقابة والتهديد الإعلامي، إذ سبق للسلطة استهداف صحف مثل «الوطن» وبرامج أجنبية مثل «Complément d’enquête»، ما يوضح أن أي تحليل أو نقد، حتى إذا كان تقنيًا وموضوعيًا، يمكن أن يُصنف كخروج عن القواعد الرسمية، ويعرض صاحبه للملاحقة.

في النهاية، يمثل توقيف جلول سلامة رمزًا لانحراف السلطة نحو القمع الشامل، حيث يتم تجريم الخبرة، وتكميم الصحافة، ورفع الدعاية كمعيار للحكم، فيما تصبح الرقابة أداة مركزية في إدارة الدولة، حتى على مستوى التحليل الاقتصادي البحت.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *