أعلنت المفوضية الأوروبية عن انطلاق مسار تفاوضي جديد مع المملكة المغربية، بهدف إبرام اتفاقية شراكة مستدامة في مجال الصيد البحري تشمل الأقاليم الجنوبية للمغرب، تأتي هذه الخطوة بعد توقف طويل في المفاوضات، لتعكس رغبة بروكسل في إعادة إحياء التعاون الاستراتيجي مع المغرب في هذا المجال الحيوي، في وقت يشهد فيه ملف الصيد البحري تداخلا واضحا بين البعد الاقتصادي والسياسي.
وفي ظل استئناف المفاوضات المغربية الأوروبية حول الصيد البحري، وما سبقه من طع من دعاة وداعمي الإنفصال، يرافق عودة هذا المسار التفاوضي على أسس جيدة، تساؤلات عريضة نقبيل دلالات هذه الخطوة وأبعادها السياسية؟ وهل تعكس رغبة بروكسل والرباط في تعزيز الثقة المتبادلة وتجاوز التحديات السابقة؟ وما هي تقادعات هذه المفاوضات المرتقبة على مسار ملف الصحراء؟
في هذا السياق، أكد خالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، في تصريح لـ”بلبريس” أن “العلاقات المغربية الأوروبية في مجال الشراكة، سواء الفلاحية أو الصيد البحري، لطالما كانت محطة مهمة ضمن المنظومة السياسية الثنائية”.
وأضاف الشيات أن الاتفاقات السابقة كانت تتأثر بالقضايا الحقوقية والسياسية، على غرار النقاشات التي شهدتها التسعينيات حول حقوق الإنسان في المغرب، والتي تكللت بتصويت البرلمان الأوروبي وما تلا ذلك من تأسيس مجالس حقوق الإنسان في المملكة.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية أن “التحولات التي شهدتها العلاقات المغربية الأوروبية على مستوى اتفاقيات الصيد البحري تمثل “تحولات جوهرية”، حيث أصبح هذا الملف يحمل تكلفة سياسية كبيرة، وأضاف أن الموضوع لم يعد مجرد اتفاق اقتصادي بحت، بل مرتبط بالقضايا القانونية والسياسية التي قد تطرح أمام المحكمة الأوروبية، ما يجعل من أي اتفاق جديد ضرورة ملحة لوضع ضمانات قوية لضمان استقراره والتطبيق الفعلي لبنوده.
وأشار الشيات إلى أن الأبعاد الاقتصادية لهذا الاتفاق لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياسة، حيث يمثل الملف البحري أحد أبرز مجالات الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ويتيح للمملكة فرصا لتعزيز التعاون ضمن إطار مستقر سياسيا؛ مضيفا قوله: “اتفاقية الصيد الجديدة يمكن أن تحقق مكاسب حقيقية للطرفين، خاصة في ظل استقرار العلاقات المغربية الأوروبية وتوقيع اتفاقية فلاحية، بالإضافة إلى التطور الإيجابي للعلاقات المغربية الإسبانية”.
وشدد على أن أي اتفاقية جديدة يجب أن تكون محمية من الطعون القضائية، وأن تحظى بضمانات قوية للتطبيق والتنفيذ، بما يتوافق مع المعايير الدولية، وخاصة مع اتفاقية جنيف لعام 1969، التي تمنع الاحتجاج بالمقتضيات الداخلية لعدم الالتزام بالاتفاقيات الدولية، مشيرا إلى أن “التوازن بين الجانب السياسي والاقتصادي يمثل المفتاح لضمان شراكة مستدامة وفعالة”.
ويرى مراقبون أن إطلاق المفاوضات الجديدة يعكس رغبة الطرفين في تعزيز الثقة المتبادلة، وتجاوز التحديات السابقة، بما يضمن استمرار التعاون في قطاع حساس وحيوي مثل الصيد البحري، الذي يشكل مصدر دخل مهم لكلا الطرفين، ويؤثر على الأمن الغذائي والاقتصادي للمنطقة.
وتجدر الإشارة إلى أن المغرب والاتحاد الأوروبي تجمعهما علاقات تاريخية تمتد لعدة عقود، تشمل شراكات اقتصادية متعددة، واتفاقيات زراعية وصناعية، إضافة إلى التنسيق السياسي حول قضايا إقليمية ودولية، ويعتبر ملف الصيد البحري من أبرز الملفات التي تجمع بين البعد الاقتصادي والسياسي، ويعكس التوازن الدقيق بين مصالح الدول والشركاء الدوليين، وما يفرضه القانون الدولي من التزامات.