رجاء امشاشرة
يحتل الفوسفاط المغربي مكانة استراتيجية عالمية، ليس فقط كمورد طبيعي ثمين، بل كأداة نفوذ اقتصادي ودبلوماسي تضع المملكة في قلب الأمن الغذائي العالمي، خصوصا في ظل تقلبات الأسواق وارتفاع الطلب على الأسمدة.
وفي هذا السياق أكد الخبير الاقتصادي سامي أمين أن احتياطات المغرب من الفوسفاط ليست مجرد ثروة معدنية، بل تشكل رافعة استراتيجية للسيادة الغذائية العالمية وأداة نفوذ اقتصادي ودبلوماسي للمملكة، مشيرا إلى أن المغرب يمتلك نحو 50 مليار طن من الفوسفاط، أي ما يعادل حوالي 68 إلى 70% من الاحتياطي العالمي وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، مما يجعل المملكة تلعب دورا محوريا في استقرار الإنتاج الغذائي على المستوى العالمي، خصوصا في ظل ارتفاع الطلب على الأسمدة.
وأكد سامي أمين أن المغرب أمام فرصة تاريخية للانتقال من منطق تصدير الخام إلى منطق تقديم حلول زراعية متكاملة، تشمل إنتاج أسمدة مكيفة وفق التربة والمحاصيل، وإقامة شراكات لتصنيع ومزج الأسمدة محليا في إفريقيا، بالإضافة إلى إبرام عقود توريد طويلة الأمد تقلل من تقلبات السوق وتضمن تدفقات مستقرة. وأوضح الخبير الاقتصادي أن المؤسسات الدولية تتوقع بقاء أسعار الأسمدة مرتفعة مقارنة بما قبل جائحة كورونا، ما يمنح المغرب القدرة على لعب دور “موازن السوق” وتعزيز نفوذه الاقتصادي والدبلوماسي في الوقت ذاته.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن القيمة الحقيقية للفوسفاط لا تقتصر على المناجم، بل تتجسد في التحول الصناعي الذي يقوده المغرب، عبر تصنيع أسمدة مخصصة حسب احتياجات التربة والمحاصيل، وإنتاج مشتقات عالية النقاء تدخل في الصناعات التقنية مثل حمض الفوسفوريك المرتبط بسلاسل إنتاج البطاريات (LFP)، إضافة إلى دعم ميزان الأداء الخارجي وتعزيز التصنيع المحلي وفتح آفاق نحو صناعات مستقبلية عالية القيمة.
وأوضح الخبير أن احتياطي الفوسفاط يمنح المغرب قوة ناعمة غذائية، ويجعله شريكًا موثوقًا للدول الباحثة عن الأمن الغذائي، خصوصا في إفريقيا والعالم النامي، مؤكدا أن المملكة قادرة على توفير حلول تمويلية وتوريدية واستراتيجية للأسمدة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية، حيث أشار البنك الدولي إلى أن الأسعار مرشحة للارتفاع في 2025 ثم الاستقرار في 2026، لكنها ستبقى أعلى من مستويات 2015–2019، مما يعزز مكانة المغرب كمحور أساسي في الأمن الغذائي العالمي.
وفي المقابل، حذر سامي أمين من تحديات تحتاج إلى إدارة دقيقة، أبرزها تقلبات السوق والضغط الاجتماعي العالمي الذي يضع الفلاحين تحت الضغط ويرفع سقف توقعات العالم من المغرب، إضافة إلى البصمة المائية والطاقية ومتطلبات الحياد الكربوني التي تفرض استثمارات كبيرة، وإلا قد يتحول الفوسفاط من ميزة تنافسية إلى عبء بيئي يؤثر على السمعة الدولية، موضحا حساسية وسمعة سلاسل التوريد، حيث أن بعض مسارات التجارة العالمية للفوسفاط خاضعة للنقاش الدولي وانتقادات من منظمات رقابية، ما يستدعي إدارة المخاطر والامتثال بدقة.
واختتم الخبير الاقتصادي سامي أمين بالإشارة إلى أن المغرب نجح في التحول من منطق الثروة الخام إلى منطق الحكمة الاستراتيجية في استثمار الفوسفاط، من خلال تقديم حلول زراعية متكاملة، وشراكات جنوب–جنوب، وتموضع صناعي وبيئي متقدم، ليصبح الفوسفاط المغربي ليس فقط ضمانة غذائية، بل يمثل أداة نفوذ ذكي، ونمو مستدام، وتموقع دولي مسؤول، مؤكدا قدرة المملكة على لعب دور محوري في استقرار سلاسل الإمداد الغذائية العالمية وتعزيز مكانتها كمحور استراتيجي عالمي.