تعيش الجزائر منذ أسابيع على وقع تساؤلات متصاعدة حول غياب الرئيس عبد المجيد تبون عن المشهد، وما رافقه من تكهنات بشأن حالته الصحية ومستقبل الحكم.
هذا الغياب لم يبدده سوى قرار مفاجئ بإقالة الوزير الأول نذير العرباوي وتعيين سيفي غريب بالنيابة، في خطوة أثارت جدلا واسعا حول خلفياتها وتوقيتها.
القرار أعاد إلى الواجهة النقاش القديم حول طبيعة توازنات السلطة داخل قصر المرادية، حيث تتقاطع الأدوار بين الرئاسة والجيش ومراكز القرار غير المرئية.
فإذا كان تبون قد أراد من خلال هذا التغيير إرسال رسالة مفادها أنه ما زال ممسكا بزمام الأمور، فإن غياب التفسير الرسمي للإقالة يفتح الباب أمام فرضيات صراع الأجنحة داخل النظام.
في الشارع، لا يبدو المزاج العام مطمئنا. فالأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية تضغط بشدة على الجزائريين، بينما تغيب مبادرات حكومية جدية لامتصاص حالة الاحتقان.
إقالة رئيس الوزراء، في ظل هذه الظروف، قد تُقرأ باعتبارها محاولة لتصدير صورة عن حركية سياسية، لكنها لا تجيب عن أسئلة الناس اليومية المتعلقة بالمعيشة والقدرة الشرائية وفرص العمل.
كل ذلك يجعل من المشهد الجزائري مفتوحا على قراءات متعددة: هل نحن أمام مجرد تعديل عادي في هرم السلطة التنفيذية، أم أن ما يجري يعكس تحولات أعمق داخل النظام قد تعيد رسم موازين القوى قبل الاستحقاقات المقبلة.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية الموساوي العجلاوي، في تصريح لـ”بلبريس”، أن ما تعيشه الجزائر اليوم هو استمرار الاهتزاز الذي يطبع حقبة تبون، من غياب أي أفق للتدبير الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي.
ويضيف العجلاوي أن مرحلة ما بعد وفاة أحمد قايد صالح كشفت عن بحث دائم داخل النظام عن توازنات جديدة، وهو ما يفسر، بحسبه، التغييرات المتكررة في وزراء الخارجية تقريبا كل سنة، والتنقيلات في أجهزة الأمن الداخلي والخارجي كل ستة أشهر، فضلا عن لجوء الجزائر إلى سحب سفرائها بشكل سريع مع كل توتر دبلوماسي.
واعتبر العجلاوي أن عزل العرباوي كان أمرا متوقعا، لأن الرجل ظل غائبا عن المشهد منذ تعيينه وزيرا أول، مشيرا إلى أن حادثة الحافلة وغياب الرئيس زادا من حدة الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهر التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي للجزائريين.
كما أبرز العجلاوي أن الخلافات داخل هرم السلطة قائمة منذ دجنبر 2019، وأن تبون اضطر في ولايته الثانية إلى الاستناد أكثر على دعم الجيش بقيادة شنقريحة، مقابل التخلي عن جناح الجنرال توفيق.
ويشير إلى أن هذا التحول يفسر إقالة بعض الأسماء، وفتح المناصب المدنية أمام الجنرالات، وترقية شنقريحة إلى وزير منتدب، مع تعزيز موقع جماعة الرئيس والحفاظ على عطاف وزيرا للخارجية وترقيته إلى وزير دولة.
ويخلص العجلاوي في حديثه مع بلبريس إلى أن التغييرات الأخيرة لا تعكس إرادة حقيقية في فتح أفق جديد للبلاد بقدر ما تكشف استمرار البحث عن توازنات هشة داخل قمة النظام الجزائري.