سميرة سيطايل سفيرة جديدة للمغرب لدى فرنسا.. اعتراف وتحديات

كان إعلان تعيين “سميرة سيطايل”، التي حظيت بالثقة الملكية لتكون سفيرة للمغرب بفرنسا، مفاجأة كبيرة لكل المتتبعين للشأن السياسي الوطني.

فرغم كونها إعلامية بارزة ووازنة، بحكم توليها إدارة الأخبار بالقناة الثانية “دوزيم”، ثم منصب نائبة المدير العام، بكاريزما قيادية جعلت منها اسماً لامعاً بين النساء الرائدات في المغرب.

غير أن التوقعات كانت تميل إلى أن يكون سفير باريس شخصية سياسية أو تكنوقراطية قريبة من مركز القرار، خاصة وأن العلاقات المغربية الفرنسية تعيش أزمة حادة منذ ما يقارب السنتين.

لم يكن تألق سيطايل المهني وليد الصدفة، بل نتيجة مسار علمي وعملي طويل، راكمت فيه التجربة والنجاح على امتداد اثنين وثلاثين سنة.

فقد ولدت يوم 16 ماي 1964 بضواحي باريس واتبعت مساراً أكاديمياً متميزاً بدأ بجامعة باريس، حيث درست “اللغة والحضارة الأمريكية” ونالت الإجازة، قبل أن تنتقل إلى محطات أخرى من التحصيل والتكوين.

واصلت بعد ذلك مسارها العلمي في “المدرسة العليا للإخراج السمعي البصري”، كما حصلت على ماستر في “مهن التواصل”، وماستر آخر في “المؤسسات والمخاطر” بجامعة السوربون.

هذا التكوين الأكاديمي المتنوع منحها قاعدة صلبة لخوض غمار التجربة الإعلامية في المغرب، بكفاءة عالية واحترافية رفيعة المستوى.

بدأت سيطايل مشوارها الإعلامي بالقناة الثانية ما بين 2001 و2008، حيث تولت منصب مديرة الأخبار، وأبانت عن مهنية وقيادة واضحة جعلتها تحظى لاحقاً بثقة أكبر لتتولى منصب المديرة العامة المساعدة المكلفة بالأخبار من 2008 إلى 2020.

وهو منصب وازن عزز حضورها القوي في المشهد الإعلامي الوطني، حيث يجمع أغلب الأطر الإعلامية في المغرب، خصوصاً داخل القناة الثانية، على أن سميرة سيطايل كانت مثالاً للاحترافية والجدية والصرامة.

فقد ارتبط اسمها بالتميز والجودة، ولم تتنكر يوماً لمؤسستها الأم، بل سعت جاهدة إلى توسيع نطاقها وتعزيز مكانتها في الساحة الإعلامية بخط تحريري ذي بصمة خاصة.

كما مثلت سيطايل نموذجاً لريادة المرأة المغربية في المجال الإعلامي، إذ برز حضورها بقوة في نونبر 2016، خلال مؤتمر الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية “كوب 22” بمراكش.

حيث حضرت بصفتها رئيسة قطب التواصل والصحافة، وهو تكليف جاء اعترافاً بجهودها الكبيرة في تطوير الصحافة السمعية البصرية بالمغرب وإفريقيا.

عرفت أيضاً بانخراطها في العمل الجمعوي والتطوعي، إذ كانت عضوة نشيطة في عدد من الجمعيات ذات البعد الاجتماعي والإعلامي.

وظلت متفانية في مهامها الوطنية والقارية، كما تقاسمت خبرتها عبر حصص تكوين عديدة، إيماناً منها برسالة المهنة وبضرورة إعداد أجيال إعلامية جديدة.

ولم تغفل قضايا الجالية المغربية بالخارج، حيث عملت على نقل صورتهم إلى الداخل بدقة عالية، عبر روبورتاجات مفصلة عكست حياة المغاربة المقيمين في المهجر وأسهمت في تقريب المشهد وإبراز مساهماتهم في المجتمع.

لقد مكنتها شخصيتها القوية وحسها القيادي وتفانيها في العمل من أن تكون محط اهتمام وطني ودولي، فكان من الطبيعي أن تنال الثقة الملكية يوم الخميس 19 أكتوبر 2023، حين تم تعيينها سفيرة للمغرب في فرنسا.

وهو منصب بالغ الحساسية جاء بعد فراغ طويل وأزمة صامتة بين البلدين، ولم يكن هذا التعيين اعتباطياً، بل تتويجاً لمسارها الطويل وإقراراً بكفاءتها العالية.

خصوصاً وأن العلاقات بين الرباط وباريس عرفت توترات وتشنجات وتراشقاً إعلامياً، ظل المغرب فيه عرضة لحملات ابتزاز سياسي وحقوقي، ما جعل الحاجة ملحة إلى شخصية تمتلك مهارات التواصل، والقدرة على كسر التضليل الإعلامي الموجه من بعض المنابر الفرنسية القريبة من الإيليزيه.

وبرزت كفاءتها الدبلوماسية في إحدى إطلالاتها على قناة فرنسية، عندما واجهت محاولات تزييف الحقائق بشأن تعامل المغرب مع زلزال الحوز، حيث ردت بذكاء ودبلوماسية أربكت الإعلام الفرنسي، وأظهرت أن الوقوف أمام آلة إعلامية موجهة ضد المغرب يحتاج إلى شخصية إعلامية خبيرة ومتمكنة.

ومن المنتظر أن تنكب السفيرة الجديدة على ملفات شائكة بفرنسا، من بينها تقريب وجهات النظر حول عدد من القضايا المعقدة، كما يظل ملف الصحراء المغربية أولوية قصوى، إذ يتوجب على باريس الخروج من المنطقة الرمادية بشأن الاعتراف بمغربية الصحراء، خصوصاً بعد اعتراف الولايات المتحدة سنة 2020، ودول أوروبية مؤخراً بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

كما أن التجربة أثبتت أن النساء المغربيات برزن بقوة في مواقع القرار الدبلوماسي، فقد شكلت المرافعة القوية لكريمة بنيعيش خلال أزمة بن بطوش مع إسبانيا دليلاً على حضور المرأة المغربية في لحظات حاسمة، وهو ما يعزز ثقة الدولة في قدراتهن على خوض معارك دبلوماسية معقدة بكفاءة واقتدار.

وبالتالي فإن تعيين سميرة سيطايل سفيرة للمغرب في فرنسا يجسد اعترافاً ملكياً بقدراتها، ويضع على عاتقها مهاماً مصيرية ذات أبعاد سياسية وإعلامية معقدة، وهو تكليف سام لا يمنح إلا لمن يملك الكفاءة والخبرة والجدية والحنكة، وهي الصفات التي ميزت مسارها وجعلتها أهلاً لتمثيل المملكة في واحدة من أعقد الساحات الدبلوماسية العالمية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *