قرون من الحياة المشتركة بين السكن الطبيعي-البيءي بجبال الاطلس الممتدة على آلاف الكيلومترات المربعة وتقلبات الطبيعة بما فيها من تعرية و مخاطر الانهيار الناتجة عن الأمطار والعواصف والرياح و تفاوتات درجات الحرارة.
حياة لزمن طويل جدا لا يعرف متى بدأت حكاياته المشتركة بين الإنسان والطبيعة.لكن، ثواني معدودة كانت كافية لزلزال الحوز لطرح السؤال العريض:هل حل زمن نهاية السكن الأطلسي-الطبيعي-البيءي بالمغرب؟
اولا:السكن بالمغرب:حكاية طويلةلمعضلة معقدة ابتدات مع الحماية و لازالت تنتظر في ظل النموذج التنموي الجديد
مع دخول الحماية الفرنسية سنة 1912 الى المغرب دخل هذا الأخير مرحلة جديدة في تاريخه الطويل .هذه المرحلة تمثلت في انتقال المملكة الشريفة من إمبراطورية تقليدية الى بداية بناء الدولة الحديثة.
وهكذا انجزت إدارة الحماية بالمغرب(خاصة خلال حقبة ليوطي) العديد من الاوراش كبناء السدود والطرقات والموانىء والسكك الحديدية وإدخال الفلاحة العصرية وبناء المدن الحديثة وحماية المدن العثيقة والغابات والأراضي السلالية والتحفيظ العقاري و العمل بوثائق التعمير والتقنيات الجديدة في البناء….الخ.
غير أن الحماية الفرنسية يؤاخد عليها المحافظة على الطابع التقليدي للعالم القروي و حرمان بنات وأبناء المغرب من التعليم العصري.
هذه السياسة افضت الى ترك المغاربة كلهم تقريبا في عالم الأمية(بمعناها الحديث)؛وحتى من تمتعوا بامتياز التعليم العصري لم يتجاوز حظهم عتبة البكالوريا. وفي قطاع السكن تحولت جغرافية المغرب الى مجالين:المجال الحضري بسكنه العصري والمجال القروي أراد له المعمر ان يبقى تقليديا كما عهده القاطنون فيه قبل الحماية.
والنتيجة غداة الاستقلال: شعب مغربي امي في غالبيته العظمى وثناءية سكنية متضاضة جعلت الفصل بين المدن والقرى إحدى مميزات المغرب المستقل حيث الغياب الكلي للعدالة المجالية والتفريق بين أبناء البلد الواحد.وهو ما عبرت عنه بسخرية المستملحات والنكت المتبادلة بين”المديني” و “العروبي” وجسدت شرخه الاجتماعي اغنية الفنان الحسين السلاوي تحت عنوان : حظي راسك لا يفوزوا بك القمان.
بعد الاستقلال وجد المغرب نفسه أمام ثلاثة أصناف من المجالات:مدن عثيقة رغم محافظتها على طابعا الثراتي تعاني من الهشاشة وسوء الصيانة ومدن عصرية-حديثة لكنها محاطة باحزمة من أحياء قصديرية شاعة وعديدة خاصة بالدار البيضاء والرباط وفضاء قروي عذري لازال على الحالة التي كان عليها قبل سنة 1912.
اعتمدت الدولة المغربية لمواجهة هذه النتيجة خلال فترة طويلة مقاربة انتقاءية غايتها إسكان المواطنين ومحاولة التجاوب مع التزايد المتسارع لساكنة الحواضر وكذا القضاء على الأحياء الصفيحية والسكن غير اللاءق بما فيها الأحياء غير المهيكلة او ناقصة التجهيز والمساكن العشوائية. وهو هذف لازالت تسعى اليه المؤسسات العمومية المختصة بعد تجميعها وإعادة هيكلتها حتى الآن.
أمام قلة الموارد المالية العمومية و ضخامة الحاجيات وضغط الازمات الاجتماعية كان على واضع السياسة السكنية بالبلاد اختيار أولوياته؛فاعطى الاسبقية لمعالجة اختلالات وخصاص السكن بالمدن على حساب تجاهل شبه تام للسكن في الفضاء القروي.
نتائج كبيرة حققتها الدولة في ميدان توفير السكن اللاءق داخل المدن ، ونتائج مبهرة،خاصة في العشرين سنة الأخيرة ،حققا الفاعل العمومي في محاربة السكن الصفيحي وتأهيل الأحياء غير المهيكلة او ناقصة التجهيز والسكن العشوائي.كما وفرت الدولة السكن المناسب لمختلف الشرائح الاجتماعية بما في ذلك الطبقة الوسطى والمتوسطة وصغار الموظفين والمستخدمين والعمال وغيرهم من الفءات الاجتماعية ذات الدخل المتواضع و المحدود.
وفي المقابل بقي السكن القروي بعيدا عن السياسة العمومية الارادية ،يدبر أمره سكان القرى المغربية، في السهول والهضاب كما في الجبال،حسب امكانياتهم الذاتية والجماعية وحسب اجتهاداتهم الشخصية والأسرية.
على مر العقود السابقة وتقريبا الى اليوم لم يحظى السكن القروي باهتمام السياسة العمومية. اللهم اذا استثنينا بعض التجمعات السكنية الجديدة في بداية الاستقلال بمناطق معدودة على رؤوس الأصابع وكذا التجمعات السكنية التي انجزت داخل دواءر الإصلاح الزراعي والتي لا يتجاوز عدد أرباب العائلة فيها في الأقصى 25000.
وباستثناء كذلك اصدار بعض وثائق التعمير المتعلقة بالمراكز المحددة.
وهكذا نظر الى المجال القروي بالمغرب باعتباره فقط مصدرا لمشاكل السكن داخل المدن و هوامشها، ولم يسبق قط ان اعتبر فضاء للحياة والاستقرار والتحديث والتنمية؛على الاقل في المناطق التي كانت تصنف ظلما ب”المغرب غير النافع”.
بقي الحال على ماهو عليه حتى العشرين سنة الأخيرة ليحظى العالم القروى بسياسة ارادية تبتغي تعميم الربط بالكهرباء والتزويد الجماعي والفردي بالماء الصالح للشرب وفك العزلة عن القرى ببناء آلاف الكيليمترات المعبدة و المسالك القروية بالإضافة الى تقريب الخدمات العمومية من تعليم وصحة ومصالح إدارية، ناهيك عن خلق فرص جديدة للشغل بتثمين المنتوجات المجالية والحرفية المحلية؛دون الاهتمام المباشر بالبنايات السكنية في حد ذاتها الى اليوم.
على مستوى التعمير بالمجال القروي بقيت المنازل القروية كما تركتها الحماية الى ان دخلت قوانين التعمير وتقسيم الأراضي والبناء لسنة 1992 حيز التنفيذ فاضافت تعقيدات جديدة للسكن القروي لأنها لم تستثنيه من مقتضياتها.
وهكذا لم يترك السكن القروي ينمو ذاتيا حسب تطور الحالة المالية والاجتماعية لقاطنيه رغم انه غير قابل للادماج في المنظومة القانونية الخاصة بالسكن الحضري ؛ و لا هو أصبح موضوع سياسية عمومية فعلية ترقى به إلى مستوى السكن الحضري.
وجاء تعميم الوكالات الحضرية ليزيد في الطين المبلول اللزج اصلا مزيدا من الماء ليصبح اكثر لزاجة ورخوا عندما شرعت الوكالات الحضرية في اخضاع السكن البدوي لنفس ضوابط السكن المديني.
صحيح ان السلطات الاقليمية والمحلية راعت عمليا ظروف عيش سكان القرى وامكانياهم المالية ومستواهم الاجتماعي خاصة داخل دائرة تجمعات الدواوير والمداشر بالنسبة لاشغال التوسيع والتعديل والإصلاح.
وصحيح أيضا أن بعض الإجراءات الاستثنائية على هامش قوانين التعمير ومعايير الوكالات الحضرية اتخذت بصيغة او أخرى لتمكين المواطنين من بناء مساكن جديدة او تجديد كلي لتلك القائمة.
الا انه صحيح كذلك ان غياب تصور واضح ومحدد لاشكالية سكن البادية والتعامل معه على غرار ما تم القيام به لفاءدة السكن الحضري لم يسهم في تغيير جدري في طبيعة السكن القروي ليقترب من معايير السكن الحضري .
وعلاوة على ما سبق ساهم تجاذب الاختصاص بين الوكالات الحضرية واقسام التعمير في العمالات والجماعات الترابية والسلطات المحلية في الحد من تحسين حالة سكن القرى .
كل ما سبق ذكره ساهم مجتمعا في إدخال السكن القروي عالم من الغموض ولم يتم الانتباه بما يكفي إلى ان السكن بالقرى المغربية لازال خارج قوانين التعمير والبناء والكثير منه لا يتوفر على شروط السلامة ضد الزلازل .
الخلاصة ان السكن في جغرافية المغرب عموما حكايته طويلة لمعضلة معقدة و متداخلة:
-داخل المدن اسجل بالخصوص ما يلي: ◇الخصاص قاءم رغم تنوع العروض وكثرتها و تعدد المنتجين من عموميين و خواص؛
◇هناك بقايا للسكن الصفيحي والسكن غير اللاءق رغم كل الجهود الجبارة التي قامت بها الدولة؛
◇إنجازات كبيرة حققتها الدولة لتأهيل وتثمين المدن العتيقة لكنها لم تصل بعد الى جميع اهذافها، والادهى ان زلزال الحوز وآثاره على المدينة العتيقة لمراكش تفرض إعادة النظر في المقاربة والكيفية التي اعتمدت الى الآن.
-داخل القرى الاحظ اساسا ما يلي:
◇تأهيل السكن القروي بالمغرب في حاجة الى ضوابط تعميرية ومعايير بناء خاصة به وملاءمة له ؛
◇النهوض بالسكن القروي في حاجة الى مؤسسة تعمير وعمران غير الوكالات الحضرية التي أنشأت في الأصل لتاطير البناء والتعمير داخل المدن وليس بالبوادي.
◇سكن البادية المغربية يعتبر في عمومه جزء من التاريخ والثرات الحي لبلادنا ويحتاج في تأهيله وتطوره الى مقاربة تمزج بين المحافظة عليه وعصرنته وتمكينه من القدرة على الصمود في مواجهة جميع المخاطر بما فيها الزلازل.
اي سياسة عمومية للنهوظ بالسكن القروي يتوقف نجاحها على الاخذ بعين الاعتبار الوضع المعيشي والمالي والاجتماعي للمواطنين قاطني المنازل القروية بربوع اقاليم المملكة.
-يتبع-