بوح الأحد : لن يصنع الاشباح و ذوي الاقنعة مستقبل المغرب، نهاية العمر الافتراضي ليومية لوموند السفلية، المطبخ المغربي على سكة العالمية و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
مضى حين من الدهر على جريدة كانت تراعي بنسبة “معتبرة” قواعد المهنية وأخلاقيات الصحافة قبل أن تقع أسيرة عند بعض أشباه صحافيين يستغلون ما راكمته من مصداقية وسمعة لدى النخبة الفرنسية وغيرها من النخب الناطقة بالفرنسية لجعلها أداة للابتزاز وتصفية الحسابات وخدمة الأجندات المشبوهة وفق خط تحريري يضع آخر اهتماماته مراعاة قواعد المهنية وأخلاقياتها.
كان تأبط جريدة لوموند تحت الذراع عنوان رقي فكري وثقافي، كما كان فتح صفحاتها في المقاهي والمكاتب عنوان وعي سياسي وانتماء لنخبة تحسن اختيار ما تقرأ وتدقق في المصادر التي تستقي منها الأخبار.
الجريدة التي رأت النور زمن الحرب العالمية الثانية –سنة 1944- بطلب من شارل دوكول موجه إلى هيربرت بيوف ميريHubert Beuve-Méry الذي يعتبر مؤسسها الفعلي ظلت تحافظ على توازنها وحيادها ومهنيتها وجودة منتوجها في العقود الأولى من نشأتها.
خَلَفَ من بعد هذه الأجيال جيل أدخل الجريدة في مطبات وقادها نحو انحرافات تحريرية أصبحت معها الجريدة، التي شكلت دوما عنوانا لقوة فرنسا الناعمة في مجال الإعلام، منشورا دعائيا لمن يدفع لتصفية حسابات مع خصوم أو وسيلة للابتزاز أو ذراعا في يد جهات نافذة في الدولة السفلى لفرنسا تخضع بها، بواسطة التهديد بالنشر، من لم تنفع معه الأدوات المباشرة للإخضاع.
منذ زمن ليس بالقريب، ناصبت جريدة لوموند العداء للمغرب، وفي كل مرة كانت تخطئ في حق المغرب. ذات زمن في عهد الملك المرحوم الحسن الثاني -بالضبط سنة 1995- تجاوزت الحدود فقرر رحمه الله رفع دعوى قضائية عليها وكان حينها مدير التحرير هو جان ماري كولمباني Jean-Marie Colombani. بعد أكثر من سنتين صدر حكم نهائي لصالح المغرب، ولأن الهدف حينها كان فقط فضح انحياز الجريدة وليس تفقيرها والتسبب في إفلاسها طالب المرحوم بمبلغ رمزي لأن همه كان فقط وضع النخبة الفرنسية أمام حقيقة هذه الجريدة التي صارت جزءا من لعبة الكبار يخوضها دراري الصحافة.
بداية الانحراف في الخط التحريري لهذه الجريدة كان في الثمانينيات يوم انحازت هذه الجريدة للمرشح الاشتراكي فرانسوا ميتران ضد المرشح الديغولي جاك شيراك، بل إنها تسترت عن وضعه الصحي وقد كان مصابا حينها بسرطان البروستات. تحججت فيما بعد هذه الجريدة بكون الوضع الصحي للرئيس شأن خاص متجاهلة أن البلاغ الصحي الذي كان ينشر رسميا يتضمن تطمينا للفرنسيين بأن الرئيس في صحة جيدة وهو في الحقيقة كان يخضع لعلاج مكثف.
لا تتيح مساحة هذا البوح الخوض في تفاصيل هذا الملف/الفضيحة وتورط لوموند في التكتم على معلومة لأكثر من عقد من الزمن رغم أن نشرها كان يمكن أن يغير مسار الدولة الفرنسية رأسا على عقب، ولكن يمكن معرفة تفاصيلها من كتاب “السر الكبير”Le Grand Secret لمؤلفه كلود كوبلير Claude Gubler الذي كان الطبيب الخاص لميتران وكشف بأن مرض ميتران كان مبكرا وتواطأ الإعلام الفرنسي على عدم كشفه مكتفيا بنشر البلاغات الرسمية دون التحقق من صحتها رغم أن كل علامات كذبها كانت واضحة.
ترى ما سبب هذا الهوس الذي أصاب منذ سنوات هذه الجريدة وبعض صحافييها بصحة ملك المغرب دون غيره؟ ولماذا يتصدى لهذا الموضوع بعض الصحافيين الذين لا يخفون عداءهم للمغرب وموالاتهم لأجندات تستهدفه؟
قصدت من هذا العرض الكرونولوجي توضيح قصة انهيار واحدة من الجرائد “العريقة” في فرنسا وسقوطها في أيادي غير مهنية جعلتها سلاحا استعملته بشكل غير مهني وغير أخلاقي، وركزتُ فقط على قضية واحدة قريبة من موضوع هذا البوح، وإلا فأدعو كل المهتمين بالاطلاع على كتاب الواجهة المخفية للوموند La Face cachée du Monde لمؤلفَيْه فيليب كوهن وبيير بيان اللذان نشراه عام 2003 وفضحا فيه انحرافات لوموند وعدم مهنيتها واستغلال ما ينشر فيها لتضليل الرأي العام وخدمة جهات ضد أخرى.
من خلال رصد كل المادة التي تنشرها هذه الجريدة منذ أزيد من أربعة عقود حول المغرب يتضح أنها مطبوعة بطابع تحاملي لا علاقة له بالنقد وتستهدف من خلالها ضرب ثوابت المملكة الشريفة وتنحاز دائما لمن تدعي بدون دليل أنهم “معارضون” بينما يكشف الزمن دائما أنهم أصحاب مصالح أو متضررون من فقدان امتيازات أو أدوات تستخدم لإضعاف المغرب ممن اصطلح المغاربة على تسميتهم “أبناء الماما فرنسا”.
في هذه الأيام، وبدون مقدمات، وبعيدا عن أي سياق مبرر، خصص هذا المنشور الدعائي سلسلة من المقالات تحت عنوان “تحقيق” عن المغرب معنونا ب”لغز محمد السادس”، وهو من العناوين المعهودة في الصحافة الصفراء هدفه الإثارة، بل هو أقرب إلى عمل المنجمات وأبعد عن الحقيقة.
للوهلة الأولى يلقي القارئ نظرة على منجِز التحقيق والذي ليس سوى صحفيان من الجريدة لم تطأ رجل أحدهما أرض المغرب منذ أزيد من ربع قرن، ولعل هذا سر عيشه أسيرا في الماضي عند لحظة بداية عهد الملك محمد السادس، أو لعل ذلك هو سبب استغراق المنشور في الحديث عن مغرب ما قبل محمد السادس وبداية عهده استنادا إلى ما كان سمعه منتحل صفة “المحقق” ومدعي “المتخصص في الشأن المغربي” في مجالس النميمة السياسية في العاصمة الرباط بين أبناء الماما فرنسا الذين اكتشفوا منذ بداية حكم محمد السادس أن زمن المواطنة الامتيازية قد انتهى.
تجتر لوموند حنقا ضد المغرب تحول إلى حقد أعمى منذ فشل حملتها ضد هذا البلد لإسقاط باطل بيغاسوس عليه بدون أدلة. يومها تجند حماة هذا المغرب وأبطلوا بالدليل والبرهان تلك الادعاءات وأوقفوا مروجيها عند حدهم أمام المحاكم حيث عجزوا عن إثبات تلك التهم بأدلة ووقائع وفضحوا أنفسهم لأنهم يعتمدون فقط على شائعات وكلام مرسل غير مسنود بأدلة. ولعل هذا سر الحقد الذي بدا واضحا ضد المؤسسة الأمنية، وحموشي شخصيا، في هذا المنشور الذي غابت عنه أدنى مؤاخذة على الإنجاز الأمني لهذه المؤسسة لأن مؤشر نجاحها واضح ونالت فيه العلامة الكاملة بسبب قدرتها على صيانة أمن المملكة ضد كل التهديدات.
عقدة المؤسسة الأمنية وغياب أي مؤاخذة على عملها جعل مقترف ما سمي تعسفا تحقيقا يلجأ إلى الأسطوانة المشروخة حول صراع وتنازع مكونات آليات السيادة وافتعال وقائع من الخيال غير الخاضع لأي منطق. يؤكد الواقع أن عمل كل هذه الآليات يخضع للتكامل والتناغم لأنها جميعا تحت إشراف واحد هو الملك وهو من يختار مسؤوليها ويحدد أولوياتها وينسق عملها ويقرر في كل ما ترفعه.
لقد بلغ الاختلاق الخيالي عند لوموند حدا جعلها تدعي معرفة تفاصيل يستحيل توفرها عند أي أحد سوى جلالة الملك. كل المعطيات المرتبطة على الأقل بما هو ظاهر تؤكد أن حموشي كان حاضرا بجانب الملك ومستشاره الرئيسي في حفل الولاء، وضمن من شملهم الاستقبال الملكي في أكثر من مناسبة. وكل التقاليد تؤكد أن الملك يعطي أهمية لكل المعلومات الأمنية، فقد نقل عن الملك الراحل الحسن الثاني قوله أنه لا يمكن منع تقارير استخباراتية من الوصول لمكتب الملك في أي وقت. لماذا إذن التعسف باستنتاجات حول هذا الموضوع لا تسندها أدلة إن لم يكن الهدف تبخيس جهود هذه المؤسسة ومديرها؟
تقف لوموند عند منتصف الطريق أحيانا متسترة عن الحقيقة لأنها تخدم أطرافا سياسية لم تعد فاعلة في النخبة الفرنسية و ما تزال أسيرة العقلية الاستعمارية. واقعة القطيعة بين البلدين سنة 2014 التي حاول هذا المنشور السياسي -الذي سمي تعسفا تحقيقا- استغلال اسم حموشي فيها للنيل منه هي تجسيد لإرادة دولة رفضت الابتزاز وفق المنطق الكولونيالي ونجحت بصمود ملكيتها والتفاف شعبها وحنكة من دبر ذلك الملف في إعادة العلاقات بين المغرب وفرنسا إلى أفضل مما كانت عليه، ولكن على أرضية التكافؤ والاحترام المتبادل وعدم المس باستقلال وسيادة المغرب.
محاولة الإيقاع بين المؤسسة الأمنية ومؤسسات الدولة، ومنها الحكومة، لن تنجح لأن ما تقوم به هذه المؤسسة لا يتعدى تزويد صانع القرار بالمعلومات التي تحصلها وفق معايير مهنية وبعد التأكد من صحتها. والقرار النهائي دائما للسلطة السياسية. وهذا من أهم ما يميز عمل هذه المؤسسة التي تنأى بنفسها عن الصراع والتنافس السياسي وتركز على عملها الحرفي وفق معيار المهنية. ولتحقيق هذه المهمة تصل الليل بالنهار ولذلك فهي العين التي لا تنام حقيقة لا مجازا، ويشهد على ذلك نجاحها في توفير المعلومات بشكل استباقي -وتستفيد منها فرنسا قبل غيرها أحيانا- وكذلك نجاحها في تأمين المغرب والمغاربة.
ما تسميه لوموند تعسفا بالتحقيق يفتقر لأبسط مقومات التحقيق كما هي متعارف عليها كجنس في عالم الصحافة، إن لم نقل يفتقد، قبل ذلك، للحد الأدنى من مقومات محتوى صحفي بمواصفات مهنية. وهذا الانحراف ليس الأول ولن يكون الأخير طالما بقيت لوموند أسيرة خط تحريري ابتزازي تحاملي معادي للمغرب، دولة ونظاما وملكية ومؤسسات وشعبا.
الآن بعد أن أكملت لوموند مسلسلها غير المشوق والأقرب إلى المسلسلات المملة نبشرها أن كل تلك المادة لن تساوي ثمن الحبر الذي طبعت به ولن تحقق ما تهدف إليه من إيقاع فتنة وسط المغاربة. لقد سبقتها في هذا “التنوعير” منابر أكثر شهرة وأوسع انتشارا منها مثل الإيكونوميست وكان عاقبة ما نشرته خسرا ولم يعد يذكر ما افترته على المغرب حينها أحد سوى أنها “حرقت” أوراق الكثير من الطوابرية الذين ازدادوا عزلة على عزلتهم الطبيعية عن المغاربة. لم ينفع هذه الجريدة البريطانية صيتها الذائع ولغتها الإنجليزية وشهرتها العالمية في النيل من مصداقية المغرب وارتباط شعبه بملكه وملكيته.
من يطلع على ما نشر حتى الآن يلحظ أن المنحى متحامل وغير مهني وأحادي الوجهة وانتقائي المصادر التي كلها صاحبة مصلحة في النيل من الملك والملكية والمغرب. هذه لوحدها سقطات تجعل منه تشهيرا بعيدا عن المهنية، أو لنقل هو منشور سياسي يعبر عن أمنيات من عجز عن إخضاع المغرب لأهوائه.
اعتماد المصادر المجهولة والمختلقة وإلصاق بعض النعوت بها من قبيل “المسؤولة” و”المقربة” والمطلعة” صار أسلوبا مألوفا لإضفاء صبغة المصداقية على كلام مختلق في مجالس “تسامر” بين أشخاص هامشيين يعيشون في ظل مغرب الإصلاحات المستمرة والتي تؤتي أكلها في كل حين بإذن من الله لأن أهل هذا المغرب يشتغلون لإنماء بلدهم بنية وصدق والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
اعتماد هذا الأسلوب غير المهني لم يعد ينطلي على بسطاء الناس، فأحرى أن يضلل النخبة الفرنسية والمغربية التي تتابع أخبار المغرب أولا بأول بشفافية وانطلاقا من مصادر موثوقة ومطلعة فعليا على ما يحدث في المغرب من داخل المغرب.
لم تتخلص لوموند في خطها التحريري أثناء تناول أخبار دول مثل المغرب من اعتماد أسلوب “الأسطرة” وإضفاء الخيال على المكتوب ظنا منها أن هذا الأسلوب يجذب النخبة الفرنسية. تغير العالم وعاداته ولم تتغير لوموند ولذلك فقدت مصداقيتها وريادتها وخسرت من تبقى من نخبة تتابع منشوراتها، ويمكن لها أن تعلن بشفافية عدد متابعيها في المغرب وغيره من الدول لفهم التراجع الكبير الذي تؤديه ثمنا لخطها الابتزازي لهذه الدولة. ينقلب السحر دائما على الساحر قبل غيره، والمغرب أثبت دائما أنه بلد محصن ومؤمن وذو مناعة ضد هذه الفيروسات.
ردود الفعل الواسعة من نخب من مختلف المشارب من داخل المغرب وخارجه التي تستنكر هذا الاستهداف الذي لا تخفى أهدافه الابتزازية رسالة لمن يقف وراء هذه الحملة ضد المغرب أن الخاسر منها هو الجريدة ومن يتحكم فيها من الخلف. يحاول بعض الطوابرية تبخيس هذه الردود متناسين أن فعلهم هذا مصادرة لحق فئات في التعبير وتنقيص من حرية أشخاص ذوو أهلية وأصحاب رأي، وهم بهذا الأسلوب يبحثون عن تخفيف أضرار لوموند التي تكتشف وزنها الحقيقي بين المغاربة الذين تخلصوا منذ عقود من عقدة الإعلام الأجنبي لأنهم لا يجدون فيه جديدا على مستوى الأخبار أو جرأة على مستوى المواقف تختلف عما يقرأونه في إعلام المغرب الذي يشتغل بكل حرية ومضمونةٌ له كل الحقوق للولوج إلى المعلومة. من يطلع على الكثير مما ينشر في الإعلام الأجنبي، وضمنه لوموند، يرى أنه إعادة صياغة لما تداولته منابر مغربية مغلفا ببهارات الإثارة ليس إلا.
نأتي بعد لعبة المصادر إلى السياق، والمناسبة شرط كما يقال. هل هناك سياق زمني أو موضوعي يبرر تخصيص المغرب بسيل من المقالات ذات المنحى الأحادي مع تعمد تغييب وجهة النظر الرسمية للمعنيين الأوائل بما ينشر رغم أنه يستهدفهم؟
صيغة العنوان “في المغرب أجواء نهاية عهد محمد السادس” تبين أن مرتكب ما سمي زورا تحقيقا حصل على “سكوب” صحافي بقرب نهاية عهد محمد السادس.
في المغرب نظام الملكية يقوم على الوراثة ومؤطر دستوريا بشكل واضح وبتفاصيل لا تترك مجالا للصدفة. هل تحصل الصحافي على معلومة يقينية بموت قريب للملك يكون فيه الانتقال اضطراريا؟ أم تحصل على سبق يفيد بتنازل الملك لابنه عن العرش؟
الإجابة عن هذه الاحتمالات مستحيلة كلها، ولذلك لم تتضمن كل الفقرات المنشورة أي تلميح بمعلومة تخدم ذلك العنوان سوى ولع الصحافي بالعودة إلى تسعينيات القرن الماضي لاجترار نشأة محمد السادس وادعاء أنه عاش شبابه في ظل والده رغم أن المرحوم الحسن الثاني وضح في أكثر من مناسبة أن ولي عهده له شخصيته وأسلوبه المختلفين عن أسلوبه وشخصيته، وحتى وهو يتناول عهد حكم محمد السادس يتعمد الصحافي -مرتكب ما سمي تعسفا بالتحقيق- تبخيس إنجازاته بادعاء أنه ملك الإصلاحات غير المكتملة دون تسميتها وتوضيح ماذا تبقى منها لم ينجز بعد مع العلم أن العالم كله يشهد حجم وطبيعة وكثافة الإصلاحات التي قادها الملك محمد السادس في مختلف المجالات وهي كثيرة ومتعددة ورائدة مقارنة مع الظرفية وتعقيداتها وإكراهاتها ومحدودية إمكانيات المغرب كدولة غير بترولية ولا ثروة حقيقية عندها سوى سواعد وعقول المغاربة.
المغرب في عهد محمد السادس هو الذي نجح في تجاوز جائحة كورونا ووفر لقاحا لمواطنيه وحتى الفرنسيين المقيمين فيه في وقت عجزت فرنسا عن تحقيق ذلك لمواطنيها، وهو الذي تغلب على تداعيات زلزال الحوز بتضامن شعبي دون اعتماد مساعدة فرنسا التي حاولت فرض نفسها بقلة لياقة ولباقة فرد لها الصاع صاعين، وهو الذي نال شرف تنظيم كأس العالم، وهو الذي أصبح شريكا موثوقا في محاربة الإرهاب، ولائحة الإصلاحات والإنجازات لا يمكن حصرها. الأكيد أن مقترفي هذا المنشور يتحدثون عن مغرب آخر وملك آخر ومؤسسات أخرى غير تلك التي يعايشها المغاربة.
ادعاء اقتراب نهاية عهد الملك محمد السادس وهم يعشش فقط منذ أزيد من عقدين في عقول مريضة ب “القومة” و”ثورة الكمون” و”الانفجار القريب” ولم يتحقق منها شيء حتى شاخ منظروها ومنتظروها ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر دون أن يلتفت إلى مضاعفات ذلك الخطيرة على صحته التي لم تعد تحتمل الانتظار.
العنوان مغرض ويفضح نوايا أصحابه، والمعلومة بشأنه غير متوفرة، بل إن الواقع يناقضها، اللهم إن كانت الجريدة أصبحت في عداد من عندهم أخبار حصرية عن لائحة الوفيات القادمة. والواقع أن الأجواء في المغرب تنبئ بكثافة الأنشطة الملكية وحيوية دبلوماسية وفعالية سياسية ودينامية ملكية، وأجواء استجمام الملك في مصطافات شمال المغرب على مرآى ومقربة من المغاربة، وتجول الملك في شوارع من مدن المغرب بشكل عادي متخففا من البروتوكول وما على لوموند إلا انتظار نهاية العطلة والخبر ما ترى لا ما تفبرك، ولو كان الصحافي ابن جريدة لوموند بماضيها لفهم أن جريدته تكتمت عن مرض الرئيس المفضل عندها رغم إصابته بسرطان البروستات لسنوات فالأعمار بيد الله ولا تدري نفس متى وأين وكيف تموت، ولا يدعي أحد علم ذلك فهو مما استأثر به الله وحده.
“حجاية” صحة الملك أصبحت أسطوانة مشروخة. يريدون أن يعيش المغاربة على هذا الوهم رغم أن كل ما يرتبط بصحة الملك يكون موضوع بلاغات رسمية في وقتها لأن القصر يتقن التواصل المؤسساتي حول كل ما يتعلق بالملك من منطلق أن صحة الملك شأن يهم كل المغاربة وهم أول من يجب أن يطلع على مستجداته. ومن يطلع على منشور لوموند يلاحظ تعمده تجاهل البلاغات الملكية حول صحة الملك، بل إنه يلمح بشكل مغرض بإيحاءات مثل استقبال ماكرون بعصا أو صلاة العيد جالسا لإيصال رسالة خطورة الوضع الصحي للملك بينما أسباب الاستقبال بعصا والصلاة جالسا شرحتها بلاغات رسمية بشكل يزيل كل غبش ويسد الباب على ممتهني ترويج الشائعات. بالمقابل يتجاهل الناشر الحاقد سياقة الملك لسيارته وتنزهه وسط البحر على دراجته البحرية وغير ذلك من الأحداث التي تظهر أنه معافى.
يتعمد منشور لوموند نقل كلام مرسل بصيغة يقول أحد العارفين بدهاليز المخزن: «الملك لن يتنازل عن العرش رغم مرضه». هل هذه معلومة؟ أم هو انطباع؟ ومن هو هذا العارف؟ لا إجابة طبعا، وهذه عينة فقط مما نسب لمجهولين “عارفين” و”مطلعين”.
الملك إنسان وهو معرض مثل غيره للمرض، ولكن لم يعق مرضه أداءه لمهامه وما على المنتشين بما نشرته لوموند إلا انتظار هذه الأشهر الثلاثة الموعودة وسيرون الأجندة الملكية وكثافتها والدينامية الملكية التي تواكبها بدءا بإحياء ليلة ذكرى المولد النبوي و المجلس الوزاري وافتتاح الدورة البرلمانية. ستنتهي الأشهر الثلاثة ولن تتحقق أمنيات “الانتظاريين” و”الهامشيين” كما لم تتحقق أحلامهم التي تحولت إلى كوابيس تلاحقهم بالليل والنهار في أكثر من مرة منذ سنوات.
تدعي لوموند أن الملك يحب السلطة وتتناقض في ذلك، ولكنها تتجاهل أن محمد السادس هو من أقر مراجعة دستورية وسع فيها من صلاحيات الحكومة والبرلمان وحد أكثر من صلاحياته، وهو الذي يحرص في كل المناسبات على التنزيل الحرفي لمقتضيات الدستور ويكتفي بممارسة صلاحياته الدستورية دون زيادة رغم أن هذا يثير مطالب بتدخل الملك في الكثير من المناسبات، ولكنه أثبت في أكثر من محطة مفصلية تشبثه بمنطوق ومفهوم الدستور.
وبمناسبة الحديث عن الدستور، يلزم توضيح أن انتقال العرش مؤطر دستوريا ولا يمكن خرقه. الدستور واضح والمغرب دولة قانون ومؤسسات والملك أكد في كل المناسبات أنه أحرص على احترام الدستور والمؤسسات، ولذلك فلن يتحقق للحالم بالشهرة وتأمين مكان في دائرة الحكم أن يحقق خياله/خبله، وما عليه إلا الاستمرار في أحلامه والتداوي من مرض حب الشهرة.
اللغة الوثوقية التي حاول تقمصها صحفيا لوموند أسقطتهما، ومعهما لوموند كلها، في مهزلة. وها هو مثال واحد فقط مما نشر: يقول دبلوماسي غربي بالرباط: «هناك إخراج مدروس بدقة لتفادي أي إشارة توحي بانتقال العرش من محمد السادس إلى ابنه الحسن. لم يحن الوقت بعد. الانتقال لم يبدأ، وإن كان حاضرا في الأذهان». المصدر مجهول رغم أن صفته تجعله محصنا، والوثوقية في أعلى درجاتها رغم افتقارها لأي دليل، والمغامرة على أشدها لأنها تعتمد لغة الإشارة التي لا تفيد في شيء لتشكيل قناعة حقيقية.
بمثل هذا الأسلوب وهذا الاستخفاف بقرائها فقدت لوموند مصداقيتها وسط النخبة، وقد قتلها رمزيا أشباه الصحافيين الحاملين لأجندات تخريبية بعيدة عن المهنية. ورسائل الاستهجان والاحتجاج التي تتوصل بها دائما عند ارتكابها لهذه المذبحة المهنية تبين أنها تعادي شعبا بأكمله، ولذلك فمن يديرها يفهم اليوم كيف أن الاستنكار وصل إلى عامة الناس غير الشغوفين بمحتواها لأن من تطوعوا لتقاسم سلسلتها وترجمتها على مواقع التواصل أساؤوا للوموند من حيث كانوا يبحثون عن الترويج لمحتوى ظنوا أنه مضر بالمغرب فاكتشفوا أنه أضر بهم وبالناشر وزادهم عزلة.
“حجاية” أخرى من المتلاشيات التي تكفلت لوموند بإعادة تدويرها وإخراجها في حلة جديدة هي صراعات النفوذ والمؤامرات بين أجنحة النخبة. لقد تكرر نشر هذه الأباطيل التي صارت تصيب قارئها بالغثيان من فرط ما تكررت على أذنه وأمام عينيه ولكنه لا يرى في الواقع إلا تكاملا وتعاونا وتنسيقا بين مكونات المحيط الملكي لأن لكل واحد اختصاصه ومجاله وفي حالة التداخل والاختلاف -وهو وارد وطبيعي ومطلوب- يرجع القرار لصاحب الشأن والذي يتحمل مسؤولية قراراته، وهو جلالة الملك.
منشور لوموند مليء بالانطباعات المتحيزة وغير المبنية على حجج، ومليء بالعبارات التي استعملت قدحا في المغرب والملك والعائلة الملكية مع أن القاموس يتسع لاستعمال عبارات أكثر حيادا وتوازنا، ومليء بالأحكام الموجهة لتأليب المغاربة وزعزعة ثقتهم في مؤسسات دولتهم، ومليء بالإيحاءات التي تفضح المصدر الرئيسي للمعلومات التي يراد لها أن تكون “حميمية” و”خاصة جدا”. وهذه من الأخطاء التي لن تغفر للصحافي مقترف هذا الخطأ من طرف مصادره المعروفة بعدوانيتها وحقدها.
لقد وقع الصحافي صاحب فرية التحقيق عن بعد ضحية لمصادره المعروفين من أبناء الماما فرنسا وأصحاب المصلحة بالاستقواء بفرنسا وإعلامها على المغاربة الذين يكدون ويسعون بمجهودهم لتأمين مصالحهم بينما هم ألفوا الريع والعطايا لشراء صمتهم.
الأيام كفيلة بمعرفة من وراء هذه السلسلة، وحينها سنفضحهم بالصورة والاسم واحدا تلو الآخر، وقبل ذلك ما عليهم الا معرفة أن الأشباح وحاملي أقنعتهم لن يحددوا مستقبل المغرب. مستقبل المغرب لن يصنعه إلا المغاربة وفي المغرب وبسواعد وعقول مغربية تعرف قيمة هذا المغرب وتعتز بالانتماء إليه وتتشرف بخدمته.
والحمد لله أن المغرب كان مرة أخرى الصخرة التي انكسرت عليها ألاعيب لوموند كما سبق وانكسرت في فضيحة بيغاسوس التي ثبت أنها مجرد فرية، والحمد لله أن المغاربة لهم مناعة ضد مثل هذه الأراجيف التي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.
إعادة تدوير متلاشيات مجالس النميمة لن يسقط نظاما ولن يضعف دولة ولن يزعزع ثقة شعب ولن يؤلب النخبة الفرنسية ضد المغرب. لقد رأينا كيف أن نخبا فرنسية تمدح المغرب وتنتقد التراجع الفرنسي وتطلب من حكام فرنسا إصلاح العلاقة مع المغرب الذي اعتبروه دوما شريكا موثوقا. ولن يساهم مروجو ذلك المنشور في توسيع دائرة انتشاره كما يفعل بعض الطوابرية ممن ألفوا الحماية الفرنسية، ومنهم من هو غارق في المستنقع الأخلاقي مثل الشيخ المتصابي الذي وجدها فرصة ظنا منه أنه ينتقم أو “يقلي” السم للمغرب بينما هو يزيد نفسه عزلة وغربة عن المغاربة.
هل يمكن النظر إلى ما ينشر بمعزل عن حالة الاختناق التي تعاني منها شبكة الطوابرية والضربات القاصمة التي تتلقاها؟ هل يمكن فهم دخول لوموند على الخط محاولة لتقوية هذه الشبكة ومد يد المساعدة إليها بسبب الحاجة إليها وقت الشدة؟
قلت في أكثر من بوح بأن خريف الطوابرية آت لا ريب فيه، وهو أقرب للتحقق هذه السنة، ولذلك ستكثر هذه السكاكين العشوائية التي لن تزيد الجبهة الداخلية إلا تلاحما وإجماعا على ثوابت المملكة.
حالة الخيال تجاوزت كل الحدود مع شبكة “اختلاقانوت” لتبلغ مرحلة الخَبَل الذي هو ضرب من الجنون والحمق بسبب فساد العقل، وهو أهم ما يميز الإنسان الذي بدون عقل يصبح دابة تمشي على اثنين عوض أربع قوائم.
يصعب تسمية ما تنشر شبكة المختلقين ب”المحتوى” لأنه قمامة مكانها الطبيعي هو “المزبلة” ولذلك فهي تستحق اسم “زبلوت” لأن الاختلاق فيها تجاوز الحد الذي يمكن للعقل أن يستسيغه.
خبل “زبلوت” أراد هذه المرة الدخول إلى المطبخ الملكي وإلى التجني على ولي العهد بادعاءات مختلقة غير ممكن تصديقها من طرف عامة الناس فما بالك بمن هم على دراية بميكانيزمات اشتغال دار المخزن.
نعرض في هذا البوح لحقائق تدحض كل تلك الافتراءات، ومنها أن القصر الملكي مكان عمل ولا مطابخ فيه. هو مكان مقسم إلى مكاتب لمختلف المصالح التابعة للديوان الملكي وفضاء لاحتضان الأنشطة الملكية التي يتابعها المغاربة عبر شاشات التلفزة (أولا)، والملك لا يقيم في القصر الملكي لأن مكان إقامته المعروف لدى كل المغاربة هو الإقامة الملكية الموجودة فوق مدينة سلا، والأمر نفسه حين يحل مثلا في تطوان (ثانيا)، وولي العهد يقيم في إقامة أميرية (هذه هي تسميتها) يعرفها المغاربة كذلك مستقلة وبعيدة جغرافيا عن الإقامة الملكية (ثالثا)، وفي كلتا الإقامتين تقدم الأطباق التي يزخر بها المطبخ المغربي في مختلف الوجبات الثلاثة لأن جلالة الملك ورث عن المرحوم الحسن الثاني حب المطبخ المغربي وهو من وضع هذا المطبخ في سكة المنافسة حتى أوصله للعالمية لأنه كان يفخر بما يجود به المطبخ المغربي من جودة وتنوع ومعاني (رابعا)، والعائلة الملكية توارثت أن كل ما يطبخ داخل الإقامات يكون من صنع طباخين مغاربة لأن سر هذا المطبخ يكمن في جزء منه في إعداده من طرف أيادي مغربية (خامسا)، وليس في حاجة لطباخين من الغرب أو من الشرق وفي المناسبات العامة أو الولائم عند حضور ضيوف كثير يستعان بخدمات ممونين traiteurs معروفين (سادسا)، وتثبت الصور والفيديوهات التي تتناقلها وسائل الإعلام عن حفلات العشاء أو غيرها التي تنظمها العائلة الملكية وجود أطباق مغربية على الموائد لأن هذا من عناصر قوة المغرب التي يحافظ عليها الملك وأفرد أسرته قبل غيرهم، بل كل الأسرة تعتبر نفسها سفيرة لهذا المطبخ ولكل ما يعزز صورة وقوة المغرب في العالم (سابعا).
باختصار، لا يمكن للاختلاق الذي ينتجه وضع “الخبل” المرضي أن يزعزع ثقة المغاربة في دولتهم ونظامهم ومؤسساتهم وآليات حماية سيادة المغرب لأن عقولهم أرقى وأنظف من التأثر بقمامة “الزبلوت”. وموجة الاختلاق الجديدة أثبتت أننا كنا رحماء بهؤلاء حين سميناهم “اختلاقانوت” لأنهم سقطوا تحت قاع القاع.
يتابع المغاربة نمو ولي العهد منذ ولادته، ويفرحون بتفوقه الدراسي ونبوغه الفكري وولعه الرياضي وحسه الاجتماعي وذكائه البروتوكولي الذي ظهر في أكثر من مناسبة. لا يستغرب المغاربة من كل هذه الخصال لأن ولي العهد سليل الأسرة الملكية التي تتلقى تربية وتكوينا وتعليما لا يترك فراغا للصدفة وهامشا للخطأ.
وهو ولي العهد وفي ريعان الشباب أسند له والده استقبال رئيس الصين فكان ذلك رسالة للعالم كله أن الاستمرارية مؤمنة وأن ثمار التربية تؤتي أكلها بما يستحقه المغرب في المستقبل. تكليف ولي العهد مولاي الحسن باستقبال الأطفال المقدسيين المشاركين في الدورة الـ16 للمخيم الصيفي الذي تنظمه وكالة بيت مال القدس الشريف تحت رعاية رئيس لجنة القدس الملك محمد السادس رسالة أخرى في توقيتها ومضمونها أن مواقف المغرب ثابتة وهي بمثابة تذكرة بما كان من الملك محمد السادس في بداية عهده عام 2002 عندما استقبل بشكل فاتر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول وعلى صدره شارة كلنا فلسطينيون وسأله عن سبب مجيئه للمغرب بينما المكان الذي يستحق أن يزوره هو القدس.
ولي العهد ابن ملك تربى وفق أصول العائلة العلوية، ووالده على رأس الملك ويمارس مهامه وفق ما يتيحه له الدستور، وأي محاولة لتوتير الجو في محيط العائلة الملكية لن تنجح وسيخسأ المراهنون على إحداث هذا الشرخ وسط عائلة متماسكة كما خسؤوا في إيقاع الفتنة بين هذه العائلة وآليات حماية السيادة.
هذا ما يستحق “زبلوت” أن يفهمه لأن “فبركاته” ممجوجة وميتة قبل نشرها وغير مغرية للاطلاع عليها، ولذلك فقد تولى نشرها وترويجها المشردون الذين يعيشون عالة على ظهر الرفاق والإخوان الذين وصلوا مرحلة يأس قاتلة ويقبلوا أن يكونوا انتحاريين في يد من يؤمن لهم ولو أجرة يوم لتغطية تكاليف الاقامة وسط المشردين.
ولا شك أن لا أحد أخطأ طبيعة المتطوع الآخر لأنه لن يكون سوى الملاوط الذي رضي لنفسه منذ زمان أن يكون كاتبا تحت الطلب ومن محبرة من يدفع له ما يقضي به حاجاته.
الاختلاقات لن تنال مصداقية عند المغاربة باستعمال بهارات أسماء أشخاص وأدوية وأرقام هواتف ووقائع معروفة وعادية ويمكن لأي واحد معرفتها لإيهام القارئ أن المختلق مطلع ومن داخل المطبخ. هذه لعبة مبتذلة صارت معروفة من كثرة ما يستعملها “السماسرة”. بحث بسيط سيؤكد أن كل تلك الأسماء والأرقام والوقائع مستعملة للتضليل و”الضرب على “الشعا”.
نختم هذا البوح بتأكيد أن الاستهداف لن ينجح وأن هذه المؤامرات لن تفلح لأن للمغرب حماته اليقظين الذين يصلون الليل بالنهار لإحباط كل المؤامرات دون أن ينشغلوا بها وحدها لأن كل جهدهم منصب على البناء من أجل مغرب صار قوة صاعدة. وهذا ما يصيب الطوابرية في مقتل.