عندما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقتل ترشيحاً: حماية النساء هي حماية للديمقراطية
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يبرز تهديد جديد لا يظهر في مكاتب التصويت ولا تقيسه استطلاعات الرأي، بل ينتشر في هواتفنا بسرعة نقرة واحدة: صوت يمكن استنساخه، وصورة يمكن تغييرها، وفيديو يمكن اختلاقه بالكامل، ومشهد لم يحدث أبداً تكفي ثوانٍ لجعله يبدو حقيقياً.
لقد فتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً استثنائية أمام البشرية، لكنه منح الجميع تقريباً القدرة على صناعة واقع لم يحدث قط، وبسهولة مقلقة. وعندما تدخل هذه التكنولوجيا المجال السياسي والانتخابي، لم نعد أمام مجرد تضليل إعلامي، بل أمام خطر حقيقي على الديمقراطية.
السمعة تُدمَّر في ساعات… والعدالة تصل بعد أشهر
لنتخيل مرشحة قبل أيام قليلة من الاقتراع يظهر ضدها فيديو على مواقع التواصل: وجهها واضح، وصوتها يبدو صوتها، وتظهر وكأنها تدلي بتصريحات صادمة تناقض مواقفها والتزاماتها. الفيديو مزيف، لكن إلى أن تظهر الحقيقة يكون مئات الآلاف قد شاهدوه. قد تتقدم بشكاية، ويُفتح تحقيق، وربما يُتابَع صاحب المحتوى ويُعاقَب، لكن الضرر يكون قد وقع.
فالزمن في الانتخابات عنصر سياسي حاسم: سمعة تُدمَّر قبل 48 ساعة من الاقتراع لا يصلحها حكم قضائي يصدر بعد أشهر، والعدالة التي تتدخل بعد الانتخابات قد تعاقب المسؤول لكنها لا تعيد إلى الضحية الأصوات التي خسرتها. لقد دخلنا عصراً أصبحت فيه سرعة انتشار الكذبة أكبر من سرعة العدالة، وهنا يكمن أحد أكبر تحديات ديمقراطيتنا.
المغرب بدأ يتحرك… لكن العقوبة وحدها لا تكفي
لم يبقَ المغرب صامتاً أمام هذه التحولات؛ فقد أدخل إصلاح القانون الانتخابي الذكاء الاصطناعي صراحة ضمن المقتضيات المتعلقة بالجرائم الانتخابية. وينص الفصل 51 مكرر على تجريم نشر أو توزيع تركيبات تستعمل صورة أو أقوال شخص دون موافقته، أو أخبار زائفة أو ادعاءات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزورة، عندما يكون هدفها المساس بالحياة الخاصة أو التشهير بمرشح، بما في ذلك عبر أدوات الذكاء الاصطناعي. وهي خطوة مهمة تعني أن قانوننا بدأ يعترف بأن التلاعب الرقمي اعتداء مباشر على نزاهة العملية الانتخابية.
لكن الديمقراطية الحديثة لا يمكنها مواجهة الاعتداء الرقمي بالعقوبة الجنائية وحدها بعد وقوع الضرر. فالسؤال الحقيقي لم يعد: من نعاقب؟ بل: ماذا نفعل خلال الساعات الأولى؟ من يتلقى التبليغ؟ من يتحقق؟ من يستطيع أن يطلب من المنصة وقف انتشار المحتوى مؤقتاً، وفي أي أجل؟ من يحافظ على الدليل الرقمي قبل حذفه؟ ومن يمنح المرشحة حقاً سريعاً في الرد؟ والأهم: من يحمي العملية الانتخابية بينما العدالة تقوم بعملها؟ هذه هي الحلقة المفقودة التي ينبغي التفكير فيها اليوم.
النساء أكثر عرضة للاستهداف… والإنترنت لا ينسى أبداً
تكتسي هذه المسألة بعداً خاصاً مع النساء. فالهجمات ضد المنخرطات في الحياة العامة لا تستهدف أفكارهن وبرامجهن وكفاءتهن فحسب، بل حياتهن الخاصة وسمعتهن وأخلاقهن وأسرهن وأجسادهن. وغداً سيكون الذكاء الاصطناعي قادراً على اختلاق صورة حميمة لم توجد قط، أو تصريح لم يُنطق به، بشكل يكاد يطابق الحقيقة. قد تُغتال امرأة سياسياً دون إطلاق رصاصة واحدة؛ فيديو مزيف واحد قد يكفي.
والأخطر أن الإنسان ينسى، لكن الإنترنت لا ينسى أبداً. ففي الحياة الواقعية تنطفئ الإشاعة مع الوقت، والذاكرة البشرية تتجاوز، وتُطوى الصفحات، ويُمنح المرء فرصة أن يبدأ من جديد. أما ما يُنشر رقمياً فيمكن نسخه وإعادة نشره وإعادة تركيبه، وقد يعود للظهور في أي لحظة، ويظل مرتبطاً باسم امرأة في نتائج البحث لسنوات. وقد يكون المحتوى كاذباً تماماً، لكن تكرار تداوله يمنحه في نظر البعض مظهر الحقيقة. هكذا لا يهدد التزييف المرشحة بخسارة انتخابات فحسب، بل يفرض عليها وصمة رقمية مدى الحياة: عقوبة بلا محاكمة، وحكم بلا استئناف، تصدره خوارزميات لا تعرف النسيان.
وإذا كانت كل امرأة تفكر في دخول السياسة تعرف أن محتوى مفبركاً قد يُصنع ضدها خلال دقائق ويلاحقها طوال حياتها، فنحن لا نتحدث عن عنف رقمي فقط، بل عن شكل جديد من الإقصاء السياسي والاجتماعي. إنها قضية مساواة سياسية وكرامة. وكل امرأة يردعها هذا الخوف عن دخول السياسة هي صوت أقل في تمثيل المجتمع؛ وحين تُقصى النساء بالخوف من التشويه الرقمي، تخسر الديمقراطية نفسها.
أقترح خلية وطنية للاستجابة العاجلة
لهذا يحتاج المغرب إلى آلية خاصة للاستجابة للتلاعبات الرقمية خلال الفترات الانتخابية. وأقترح إحداث خلية وطنية للاستجابة العاجلة من أجل النزاهة الرقمية للانتخابات، تعمل طيلة الحملة، مهمتها: تلقي التبليغات، وإجراء تحقق تقني أولي، والتنسيق بين السلطات المختصة، وتمكين المنصات، عند ثبوت الطابع المزيف والخطير لمحتوى ما، من اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف انتشاره — وفق مسطرة دقيقة مؤطرة قانونياً تصون بالكامل حرية النقد والسخرية والنقاش السياسي، ولا تستهدف سوى الاختلاق المتعمد لواقع زائف بغرض تضليل الناخبين أو تدمير سمعة مرشح أو المساس بنزاهة الاقتراع.
والحذف وحده لا يكفي: يجب الحفاظ إلزامياً على الدليل الرقمي قبل حذف المحتوى — الرابط الإلكتروني، وهوية الناشر متى أمكن تحديدها، وتاريخ ووقت النشر، والمعطيات التقنية، وحجم الانتشار، والنسخ المتداولة. القاعدة بسيطة: الحذف السريع مع الحفاظ على الدليل، حتى لا تتعارض حماية الضحية أبداً مع تحديد المسؤولية.
ولسنا وحدنا في هذا المسار؛ فقد أطّر المجلس الأعلى للانتخابات في البرازيل استخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية الانتخابية، ومنع التزييف العميق الهادف إلى التلاعب بالنقاش الانتخابي، ونسّق بين عدة مؤسسات لمواجهة التضليل. والدرس واضح: لا يكفي أن نجرّم الكذب؛ بل يجب أن ننظم قدرة الدولة والسلطات الانتخابية والمنصات على الاستجابة السريعة لكذبة تنتشر بسرعة هائلة.
حماية المرشحات تعني حماية الناخبين
عندما ينتشر فيديو مزيف ضد مرشحة، لا تُمس كرامتها وسمعتها فحسب، بل يُمس حق المواطنين في اتخاذ قرار انتخابي حر ومستنير؛ فالناخب الذي يصوت بناءً على واقع اختلقه الذكاء الاصطناعي لا يمارس اختياره بحرية كاملة. الضحية ليست المرشحة وحدها؛ الضحية أيضاً هي الناخب، وخلف الناخب تكون الديمقراطية نفسها عرضة للخطر.
ولهذا ينبغي الانتقال من منطق يقوم أساساً على العقوبة إلى منطق يقوم على الوقاية والكشف والحذف السريع وجبر الضرر ثم العقوبة: آلية وطنية للتبليغ السريع، وخلية متخصصة خلال الحملات، ومسطرة استعجالية واضحة، وتنسيق دائم مع المنصات الكبرى، وحفظ إلزامي للأدلة، وحق سريع وفعال في الرد للضحايا، ووسائل تقنية لكشف التلاعب في الصوت والصورة، وحماية معززة للمرشحات اللواتي تُستهدف كرامتهن أو حياتهن الخاصة — دون أن تتحول هذه الحماية بأي شكل إلى رقابة على الحياة السياسية. فهدفنا ليس حماية المرشحين من النقد، بل حماية نزاهة الاقتراع.
لا نسمح للذكاء الاصطناعي بأن يصبح سلاحاً ضد المشاركة السياسية للنساء
لقد تجاوزت النساء عقبات كثيرة للوصول إلى الحياة السياسية، ولا ينبغي أن يواجهن غداً تكنولوجيا قادرة، خلال دقائق، على اختلاق واقع وهمي ضدهن وإقناع آلاف المواطنين بأنه حقيقي. علينا أن نستبق، وأن نشرّع قبل وقوع الأزمات الكبرى، وأن نضع الوسائل التقنية في مستوى التهديدات الجديدة؛ فالمشاركة السياسية للنساء لا تكون فعلية إذا لم تكن سمعتهن محمية من الأشكال الجديدة للعنف الرقمي.
ففي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على تقليد وجوهنا وأصواتنا، تبرز ضرورة ديمقراطية جديدة: حق كل مرشح وكل مرشحة في ألا يُزوَّر أو تُشوَّه صورته رقمياً لأغراض انتخابية. إن حماية هذا الحق لا تعني حماية النساء من السياسة، بل حماية السياسة من أولئك الذين يريدون الفوز بها عبر صناعة واقع لم يوجد قط.
بقلم: خديجة الگور
رئيسة منظمة النساء الحركيات