لا يتزامن خطاب العرش لهذه السنة مع سياق سياسي عادي، بل مع سياق دقيق من المسار السياسي المغربي، لا تفصله عن الانتخابات المقبلة سوى أسابيع قليلة. انتخابات لا تكتسي أهميتها في كونها ستفرز أغلبية حكومية جديدة فحسب، وإنما لأنها ستحدد الفريق الحكومي الذي سيقود البلاد خلال مرحلة تتقاطع فيها رهانات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي مع الاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، واستكمال تنزيل مشروع الحكم الذاتي، وتعزيز مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة في محيط دولي سريع التحول.
ضمن هذا السياق، يكتسب خطاب العرش بعدًا يتجاوز رمزيته الدستورية والاحتفالية، ليغدو لحظة سياسية فارقة لمغرب ما بعد الانتخابات. لذلك، أعتقد ان السؤال الذي يجب ان يطرح بعد الخطاب هو: ليس ما تضمنه الخطاب الملكي ؟ بل كيف ستقرأ الأحزاب السياسية رسائل الدولة؟ وكيف ستترجمها إلى مشاريع وبرامج يكون لها الاثر علي حياة المواطن ؟والى حملات انتخابية جذابة ، والى خطابات واقعية تقنع المواطن بمغزئ التصويت الانتخابي.
لانه منذ سنوات كرّس المغرب تقليدًا سياسيًا يجعل من خطاب العرش مرجعًا استراتيجيًا يحدد أولويات الدولة واتجاهاتها الكبرى، دون أن يتدخل في تفاصيل التنافس الحزبي أو في موازين القوى الانتخابية. فالخطاب الملكي لا يصنع الأغلبية الحكومية، لكنه يرسم الإطار الذي ينبغي أن يتحرك داخله الفاعلون السياسيون، ويحدد سقف الانتظارات الوطنية خلال المرحلة المقبلة.
وعليه، فالخطاب الملكي لهذه السنة مرشح لأن يتحول إلى مصدر الخطاب الانتخابي للأحزاب، وإلى المرجعية التي ستقاس على أساسها مصداقية البرامج السياسية. فالأحزاب لم تعد مطالبة فقط بتقديم وعود انتخابية،بل أصبحت مطالبة بإثبات قدرتها على تنزيل الأوراش الاستراتيجية للدولة، وترجمة التوجيهات الكبرى إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ يكون لها الاثر على حياة المواطن.
.![]()
ومن المرجح كذلك أن يجدد خطاب العرش التأكيد على الأولويات الاستراتيجية للدولة خلال السنوات المقبلة، بما يفرض على الأحزاب إعادة ترتيب أولوياتها، وربط برامجها بالمشاريع الوطنية الكبرى، بدل الانشغال بالصراعات الهامشية أو الحسابات الانتخابية الضيقة. فالتنافس الحقيقي لن يكون بين من يرفع الشعارات الأكثر جاذبية، وإنما بين من يقدم التصور الأكثر قدرة على قيادة المغرب في مرحلة تتطلب النجاعة والاستقرار وسرعة الإنجاز.
لهذا ،اعتقد ان مضامين ورسائل خطاب العرش لسنة 2026 لن تخرج عن مضامين ورسائل خطاب العرش لسنة 2025، الذي دعا فيه جلالة الملك لضرورة توفير الشروط الكفيلة بتنظيم انتخابات ذات مصداقية، وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتشجيع تجديد النخب السياسية.
لذلك ، فمن المتوقع أن يعيد الخطاب الملكي لعيد العرش هذه السنة التأكيد على مجموعة من المرتكزات التي ستوجه وستؤطر النقاش العمومي خلال الحملة الانتخابية المحددة التي ستنطلق ابتداءً من الساعة الأولى من يوم الخميس 10 شتنبر 2026، على أن تستمر إلى غاية الساعة الثانية عشرة ليلاً من يوم الثلاثاء 22 شتنبر 2026، أي قبل يوم واحد من موعد الاقتراع، وفق ما تنص عليه القواعد المنظمة للعملية الانتخابية.
وفي مقدمة هذه المرتكزات:
٠الدعوة إلى توسيع المشاركة السياسية، خاصة في أوساط الشباب، باعتبارها ركيزة أساسية لتعزيز الشرعية الديمقراطية وتجديد الثقة في المؤسسات.
٠التأكيد على ان توفير مناخ ديمقراطي ونزيه لتنظيم الانتخابات .
٠ تخليق الحياة السياسية، في انسجام مع الإصلاحات القانونية الرامية إلى تعزيز نزاهة العملية الانتخابية.
٠ترسيخ الثقة في المؤسسات، ومحاربة مختلف أشكال الفساد الانتخابي.
٠دعوة الأحزاب لتجديد نخبها وأساليب اشتغالها، والانفتاح على الكفاءات، وصياغة برامج واقعية تستجيب للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
٠دعوة اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات القيام بمسؤوليتها .
لذلك يتفق جل المتابعين للشأن السياسي المغربي، ان انتخابات 2026 ستكون مختلفة عن سابقاتها،لان سياق تنظيمها يبقى استثنائيا في تاريخ المغرب ، فالدولة لا تراهن على من سيشكل الأغلبية الحكومية المقبلة، بل تراهن علي نوعية الموارد البشرية التي ستتولى قيادة المغرب نحو استحقاقات 2030 وما بعدها. ولذلك، فإن القيمة السياسية لخطاب العرش لهذه السنة لا تكمن في الإعلان عن تفاصيل الاستحقاقات الانتخابية، وإنما في رسم المرجعية التي ستحتكم إليها الأحزاب أثناء حملاتها، والتي سيحتكم إليها المواطن عند تقييم المشاريع والبرامج والمرشحين.
لذلك، فالرهان الاستراتيجي للدولة في الانتخابات المقبلة ليس هو : من سيفوز بالانتخابات؟ بل من يمتلك المشروع السياسي، والكفاءة التدبيرية، والرؤية الاستراتيجية لقيادة مغرب 2030 ؟ ومن يقرأ الخطاب الملكي قراءة جيدة؟؟
belcadi@belpresse.com