حرية تعبير القضاة واستقلال القضاء

تعتبر حرية التعبير من الحقوق الكونية التي تضمنها كل المواثيق الدولية والدساتير الوطنية ، لكونها تعد وسيلة لمشاركة الجميع  في قضايا تسيير الشأن  بشكل أو بآخر خارج نطاق المؤسسات الرسمية على ان ممارسة ذلك لا يتوقف على شكل واحد بعينه ، اذ قد يتم ذلك بالكتابة أو بالإبداع الفني بمختلف أنواعه  بحرية تامة لا يقيد منها إلا بعض القضايا التي اعتبرها القانون نفسه فيها مساسا بحقوق او مصالح عامة أخرى. ولذلك تم تمجيد الحرية من طرف الفلاسفة والمفكرين في مختلف العصور والأزمة واعبروها اهم من قضايا المعيش اليومي كما اعتبروا ان كل خطط التنمية في كل بلد مهما كانت لا يمكن ان تنجح ما لم تكن متلازمة مع الحرية والديمقراطية .
وعلى الصعيد القضائي وفي مختلف دول العالم لا يمكن ان نتحدث عن استقلال القضاء في غياب هذه الحرية التي تضمن للعنصري البشري وهم القضاة حرية التعبير والانتماء إلى التجمعات المهنية التي تدافع عن مصالحهم واستقلالهم، مهما كانت قوانين تلك الدول ودساتيرها متقدمة.
فما هي العلاقة التي تجمع بين حرية تعبير القضاة واستقلال القضاء؟ وما هي حدود هذه الحرية ؟
أولا: العلاقة بين حرية تعبير القضاة واستقلال القضاء:
 العلاقة التي تجمع بين حرية تعبير القضاة واستقلال القضاء وطيدة جدا، بحيث إن مشاركة القضاة في النقاشات العامة إما كأشخاص او كهيئات تمثيلية (نقابات وجمعيات قضائية..) أو كمؤسسات قضائية (مجالس عليا ...) من شانه ان يؤدي إلى عدة فوائد، منها كشف التدخلات في القضاء مثلا ومن أي جهات كانت حتى ولو كانت داخلية أي من الجسم القضائي نفسه والقدرة على مواجهتها ما دام أن القضاة كلهم كأشخاص أو كجمعيات يستطيعون ان يتحدثوا، فضلا عن فائدة المشاركات العلمية والاسهام في تجويد النصوص القانونية التي يتعاملون معها كل وقت وحين .
ولهذه الأسباب نصت العديد من المبادئ الدولية بضرورة ضمان الدول لمبدأ حرية تعبير القضاة في دساتير وقوانينها الوطنية، ومن ذلكم مجموعة المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الصادرة عن الأمم المتحدة بمقتضى القرار 146-40، المؤرخ في 13-12-1985 و دليل حقوق الإنسان الخاص بالقضاة والمدعين العام والمحامين، الصادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سنة 2003  والميثاق الأوروبي حول نظام القضاة .
وبالفعل قامت عدة دول بالنص على هذه الحقوق في دساتيرها وقوانينها الوطنية ، ومنها التشريع المغربي ابتداء من دستور سنة 2011 الذي كرس هذا الحق بشكل واضح في  فصله 111  الذي نص على أنه " للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية.."  إلى القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة في مادته 37 التي نصت على ما يلي : " تطبيقا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 111 من الدستور، للقضاة الحق في حرية التعبير... ".
لكن وبالنسبة للحالة المغربية ، المتشابه مع العديد من الدول العربية ،  فإن مشكلة حرية التعبير ، ورغم التطور الذي حصل مقارنة مع المرحلة التي سبقت سنة 2011 فلا تزال بحاجة الى التطرير وتعتريها تجاذبات منذ إقرار الدستور الجديد على اعتبار ان المرحلة التي سبقت دستور 2011 لا يمكن الحديث إذ كانت حرية التعبير بالنسبة للقضاة  فيها شبه منعدمة ، إذ بين الفينة والأخرى تتم محاسبة قضاة بسبب ممارسة حقهم في حرية التعبير ، ولا سيما في وسائل التواصل الاجتماعي  ، بحيث ومند إقرار دستور 2011 الى الآن  تمت مساءلة عدة قضاة بسبب ذلك يصل عددهم إلى أزيد من ثمانية حالات(ماربين استماعات من طرف هيئة التفتيش واخالة على المجلس التاديبي ) وآخرها ما قام به المجلس الأعلى للسلطة القضائية ولأول مرة في عهده من أمر المفتشية العامة للشؤون القضائية التي تتبع له بالاستماع إلى اربع قضاة على خلفية تدوينات لهم على الفايسبوك تناقش قضايا مهنية ، وفق بلاغ صادر عن نادي قضاة المغرب الذي استغرب  من خلاله مثل هذه الإجراءات في  في هذا الوقت وفي هذا الموضوع الذي لا زال بحاجة الى نقاش كبير .
لكن ، ما هي حدود  حرية التعبير بالنسبة للقضاة ؟ وما هو وجه الاشكال في الاستماعات التي تقوم بها المفتشية العامة للشؤون القضائية  بالمغرب ؟
ثانيا : حدود حرية تعبير القضاة:
بما ان الهدف من حرية التعبير كما قلنا ضمان أن يشارك القاضي في النقاشات العامة  وخاصة التي تمس قضايا العدالة وكذا ضمان وجود نوع من الشجاعة  الأدبية (وهي خصلة تنص عليها بعض مدونات السلوك العربية بشكل نظري )لدية  لرفض تدخل في قراره القضائي ، فضلا عن ان النقاش يضمن معايشة القاضي لهموم مجتمعه والوعي بها وهو ما سينعكس على اجتهاداته وفقا لروح القوانين الملتزم بها ، ولذلك فإن الأصل في السلوك القضائي هو ضمان حرية التعبير،  والتقييد لا يجب ان يكون  الا بنص واضح غير قابل للتأويل ، ومن ذلك خرق الواجبات القانونية الواضحة ، مثل ابداء رأي في ملف معروض عليه (بالنسبة للقانون المغربي) او الرأي الذي يكتسي صبغة سياسية بمعنى الانحياز لطرف سياسي  معين .
ولكن ما يلاحظ هو انه في بعض الأحيان يتم تقرير مبدأ حرية التعبير في الدساتير أو القوانين  ، لكن تتم مصادرته في القوانين  بإضافة عبارات فضفاضة بمكن استعمالها كل وقت وحين ، مثل مع مراعاة واجب التحفظ  دون بيان حدود هذا الواجب أو مراعاة الاخلاقيات القضائية أو الوقار أو هيبة القضاء ...مما يتم معه باسم هذه العبارات العامة الحد بل الغاء حرية التعبير أحيانا ، ولا سيما في ضل تجارب جديدة غير مستندة لرصيد اجتهادي للمجالس العليا للقضاء يفسر  هذه العبارات العامة .
وفي الحالة المغربية الحالية  نعيش نفس الاشكال ، بحيث تم في القوانين التنظيمية للسلطة القضائية إضافة مثل هذه العبارات ، كما أننا لا زلنا نعيش مرحلة تأسيس المؤسسات ، بحيث حتى المفتشية العامة من الناحية القانونية لاحق لها في  مباشرة أي إجراءات  من شانها المساس بحقوق القضاة في المحاكمة التأديبة بالنظر لكون المادة 53 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أحالت على قانون سيصدر وهو الذي سيحدد اختصاصها وهذا النص لم يصدر بعد ، كما اننا ننتظر صدور مدونة للسلوك القضائي مبنية على الاستشارات الواسعة لتحديد السلوكات المقبولة وغيرها ، فضلا عن ان بعض النقاشات يجب ان تنضج ويجب على المؤسسات والجمعيات المهنية ان تفتحها ومنها قضية تعاطي القضاة مع وسائل التواصل الاجتماعي التي هي ظاهرة كونية يصعب الحسم فيها بإجراءات تأديبية  والا قمنا بهدم الأصل الذي هو حرية التعبير ، لان الاشكال عندنا في المغرب هو قلة القضاة الذين يمارسون هذه الحرية وليس العكس وبالتالي من الأولى ان تسن إجراءات مواكبة لتشجيع القضاة على ممارسة حرية لكون الصمت  لم ولن يكون ظاهرة صحية اطلاقا ، دون الاخذ بعين الاعتبار ان مثل هذه الإجراءات قد تضرب سمعة
المؤسسات القضائية وهي مرحلة هامة من تشكلها لانها أحيانا تستهدف قضاة معروفين في الوسط المهني أو على الصعيد الوطني بعملهم الجاد ونزاهتهم واجتهاداتهم  .

شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.