نحو قيادة عمومية استراتيجية: مسار فوزي لقجع نموذجاً

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2026، يدخل المغرب في مرحلة سياسية تتجاوز بكثير مجرد منافسة انتخابية. ويأتي هذا الموعد في سياق يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية، التي تفرض على المؤسسات العمومية متطلبات جديدة في مجال التوجيه الاستراتيجي والأداء والقدرة على التكيف. وفي هذا السياق، لم تعد النقاشات حول تجديد النخب الحاكمة تقتصر على توازنات القوى بين الأحزاب السياسية، بل أصبحت تتجاوز ذلك لتطرح تساؤلات حول المؤهلات المطلوبة لقيادة العمل العام بفعالية خلال العقد المقبل.

هذا التطور ليس خاصاً بالمغرب وحده. ففي العديد من الديمقراطيات، يميل نموذج القيادة العمومية إلى التطور بفعل تعقيد السياسات العمومية. فقد تجاوزت تطلعات المواطنين اليوم الوعود الانتخابية المجردة، لتركّز بشكل متزايد على قدرة المسؤولين العموميين على قيادة الإصلاحات، وتسيير منظمات معقدة، وتنسيق فاعلين متعددين، وتحقيق نتائج ملموسة. وبالتالي، أصبحت الكفاءة المؤسساتية والمصداقية في تدبير السياسات العمومية وخلق القيمة للمجتمع تشكل تدريجياً معايير مكملة للشرعية السياسية.

وفي هذا السياق، تحظى بعض المسارات المؤسساتية باهتمام خاص. ويعد مسار فوزي لقجع من بين الأكثر إثارة للانتباه. فهو موظف سامٍ، وفاعل رئيسي في المالية العمومية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وممثل المغرب في عدة هيئات رياضية دولية. يتميز مساره بجمع نادر بين مسؤوليات إدارية ومالية وتدبيرية ودبلوماسية. وهذا التنوع في المهام يجعله حالة دراسة مثيرة للاهتمام لتحليل التحولات المعاصرة للقيادة العمومية في المغرب، بغض النظر عن أي قراءة حزبية أو انتخابية.

فهدف هذا التحليل ليس دعم شخصية عمومية أو التكهن بمستقبلها السياسي، بل هو طرح تساؤل حول تطور أعمق: هل نشهد ظهور نموذج للقيادة يقوم بشكل أكبر على الحكامة الاستراتيجية، والأداء المؤسساتي، والقدرة على تحقيق النتائج، كمكمل للشرعية الديمقراطية التقليدية؟ من خلال حالة فوزي لقجع، فإن ما يُدرس فعلياً هو تحول معايير تقييم المسؤولين العموميين.

تحولات القيادة العمومية: من الشرعية السياسية إلى الحكامة الاستراتيجية

شهدت الأنظمة السياسية لعقود عدة تطوراً عميقاً في أسس شرعية القادة العموميين. فلفترة طويلة، كانت هذه الشرعية تقوم أساساً على ثلاثة عناصر: الانتماء الحزبي، والتمثيلية الانتخابية، والقدرة على التعبئة السياسية. ورغم أن هذه الأبعاد تظل جوهرية في أي ديمقراطية تمثيلية، إلا أنها تبدو اليوم غير كافية للاستجابة لتطلعات مجتمع يواجه تحديات متزايدة التعقيد.

ويندرج المغرب بالكامل في هذه الدينامية. فقد عززت الإصلاحات المنطلقة منذ دستور 2011، وورش الجهوية المتقدمة، وكذلك توجيهات النموذج التنموي الجديد، تدريجياً الأهمية المرتبطة بالحكامة الجيدة، والمساءلة، والفعالية الإدارية، وثقافة النتائج. فأصبحت الدولة مدعوة ليس فقط إلى وضع سياسات عمومية طموحة، بل أيضاً إلى إثبات قدرتها على تنفيذها بفعالية، في بيئة تتسم بعدم اليقين والترابط المتزايد بين الفاعلين.

هذا التحول يغير بعمق طريقة تقييم القيادة العمومية. لذا أصبح المسؤولون يُقيّمون الآن على قدراتهم في قيادة الإصلاحات، وتسيير منظمات معقدة، وتنسيق سياسات شاملة، بقدر ما يُقيّمون على قدرتهم على إقناع الناخبين. بمعنى آخر، تميل الكفاءة المؤسساتية إلى استكمال الشرعية السياسية تدريجياً.

وهذا التطور يجد أساساً متيناً في الأدبيات الدولية حول الحكامة العمومية. لقد كان ماكس فيبر يشير بالفعل إلى أن الدول الحديثة تقوم على إدارة عقلانية مؤسسة على الكفاءة واستمرارية العمل العام. وهذا التحليل لا يزال يحتفظ براهنيته اليوم. غير أن الفعالية الإدارية لم تعد كافية وحدها. فالمواطنون يتوقعون اليوم نتائج ملموسة وقابلة للقياس ومحسوسة في حياتهم اليومية. وهذا ما يصفه العديد من الباحثين بـ”الشرعية عبر الأداء”، أي شكل من أشكال المصداقية التي تنبع من قدرة المؤسسات على الاستجابة بفعالية لتطلعات المجتمع.

وتقدم أعمال مارك إتش مور مساهمة حاسمة في هذا النقاش من خلال مفهوم “خلق القيمة العمومية”. فوفقاً لهذه المقاربة، لا يقتصر دور المسؤول العمومي على تدبير الموارد أو تطبيق الإجراءات؛ بل هو مدعو إلى خلق منافع جماعية يعترف بها المواطنون، سواء تعلق الأمر بتحسين الخدمات العمومية، أو تعزيز الثقة في المؤسسات، أو دعم التنمية الاقتصادية، أو زيادة الإشعاع الدولي للبلاد. وبالتالي، يُقيّم الأداء العمومي بقدر ما يحققه من آثار وبقدر ما يُعبئه من وسائل.

وتضاف إلى هذه الرؤية أعمال جيمس جي مارش، الذي يذكر أن القرارات العمومية تُتخذ في بيئات تتسم بعدم اليقين، والمعلومات الناقصة، وتعدد الأطراف المعنية. وفي مثل هذا السياق، لا تكمن القيادة في البحث عن قرارات مثالية، بل في تطوير قدرات التعلم والتكيف والتنسيق. ويتعين على المسؤولين العموميين التوفيق بين مصالح متضاربة أحياناً مع الحفاظ على تماسك العمل الحكومي.

وتتقارب هذه المقاربات إلى حد كبير مع الأطر المرجعية التي وضعتها المنظمات الدولية الكبرى. فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تركز على التوجيه الاستراتيجي، والنزاهة، وتنسيق السياسات العمومية؛ بينما يشدد البنك الدولي على فعالية الحكومة وجودة المؤسسات؛ وتؤكد المعايير الدولية للتدقيق العمومي على أهمية الشفافية والمسؤولية والمحاسبة. وتُترجم هذه الأطر مجتمعة تحولاً كبيراً : لم يعد من الممكن تقييم جودة القائد العمومي فقط من خلال منصبه أو شعبيته، بل أيضاً من خلال قدرته على تنظيم العمل الجماعي، وتدبير التعقيد، وتحقيق نتائج مستدامة.

وهذا التحول ذو دلالة خاصة في السياق المغربي. فالمشاريع الكبرى الوطنية — سواء تعلق الأمر بالجهوية المتقدمة، أو التحول الرقمي للإدارة، أو تنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، أو تنفيذ النموذج التنموي الجديد — تتطلب شخصيات قادرة على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والإلمام بالسياسات العمومية، والتنسيق بين المؤسسات. وفي بيئة تصبح فيها تطلعات المواطنين أكثر إلحاحاً، تميل القيادة العمومية إلى أن تصبح تمريناً في التوازن بين الشرعية الديمقراطية، والفعالية المؤسساتية، والمسؤولية.

ويشكل هذا التطور الشبكة التحليلية الأكثر ملاءمة لفهم بعض المسارات المؤسساتية المعاصرة. ومن بينها، يبدو مسار فوزي لقجع كاشفاً بشكل خاص للأشكال الجديدة للقيادة التي تنبثق داخل الدولة المغربية.

حالة فوزي لقجع : مسار مؤسساتي كاشف لتطور القيادة العمومية

يجد تطور المعايير المعاصرة للقيادة العمومية تجسيداً مثيراً للاهتمام في بعض المسارات المؤسساتية التي تتجاوز المسارات السياسية التقليدية. ففي العديد من البلدان، لم تعد الشخصيات المدعوة لممارسة تأثير كبير على العمل العام تأتي حصراً من الأحزاب السياسية. بل تبرز أيضاً من الإدارة العليا، وهيئات الضبط، أو تدبير منظمات معقدة، حيث تُطور كفاءات في مجال التوجيه الاستراتيجي، والتنسيق بين المؤسسات، وقيادة التغيير.

ومن هذا المنظور، يستحق مسار فوزي لقجع اهتماماً خاصاً. فهو أكثر من مجرد مسار شخصي، بل يشكل موضوعاً للتحليل يسمح بمراقبة تحولات معايير الشرعية والمصداقية للمسؤولين العموميين في المغرب. ولا تكمن أهمية هذا التحليل في الشخص نفسه، بل في ما يكشفه مساره عن تطور المتطلبات الموجهة إلى القادة المكلفين بتدبير سياسات عمومية متزايدة التعقيد.

شرعية بنيت داخل الإدارة العمومية

على عكس المسارات التقليدية القائمة على النضال الحزبي أو الالتزام الانتخابي، بني مسار فوزي لقجع في صلب الإدارة العمومية. فقد أتاحت له تجربته في مجال المالية العمومية التطور في بيئة تستند فيها القرارات إلى التحليل، والتحكيم، وإتقان التوازنات الاقتصادية والميزانية. وقد قادته هذه التجربة إلى التدخل في قضايا تتجاوز بكثير التدبير المالي لتلامس تحديد الأولويات الوطنية، واستدامة السياسات العمومية، والتنسيق بين الإدارات.

في أنظمة الحكامة المعاصرة، تشكل الوظيفة العمومية العليا غالباً أحد الأماكن الرئيسية لتكوين القدرات الاستراتيجية للدولة. فالمسؤولون الذين يمارسون فيها يطورون كفاءات محددة: إتقان الإجراءات الإدارية، والقدرة على التحليل، والتفاوض بين الوزارات، والتحكيم الميزانياتي، وتدبير الملفات المعقدة. وتساهم هذه الكفاءات في بناء شرعية تقوم ليس على التمثيل الانتخابي، بل على الخبرة، واستمرارية العمل العام، والقدرة على مرافقة الإصلاحات الكبرى.

هذا التمييز أساسي. ففي الدولة الحديثة، يستجيب المسؤولون الإداريون والمسؤولون السياسيون لمنطقين مختلفين لكنهما متكاملان. الأولون يضمنون استقرار العمل العام وتماسكه واستمراريته؛ بينما يحدد السياسيون التوجهات السياسية ويحملون الشرعية الديمقراطية. وتكمن أهمية المسار المدروس تحديداً في كونه يوضح صعود الكفاءات التقنية والمؤسساتية في تدبير الشؤون العامة.

الحكامة الميزانياتية كمدرسة للتوجيه الاستراتيجي

يُعد تدبير المالية العمومية أحد المجالات التي تكون فيها متطلبات الحكامة في أعلى مستوياتها. فالتسويات الميزانياتية تستلزم باستمرار التوفيق بين أهداف قد تكون متضاربة: دعم النمو، وتمويل السياسات الاجتماعية، والحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكلية، والاستجابة لتطلعات المواطنين.

هذه الوظيفة تطور قدرات تتجاوز بكثير مجرد إتقان الأرقام. فهي تفترض قدرة على ترتيب الأولويات، واستباق عواقب القرارات، والتفاوض بين المؤسسات، وإدراج العمل العام في رؤية متوسطة وطويلة المدى. كما تفرض مقاربة شاملة للسياسات العمومية، حيث إن كل قرار ميزانياتي ينتج آثاراً على عدة قطاعات في آن واحد.

من هذا المنظور، تظهر الحكامة الميزانياتية كمدرسة حقيقية للقيادة الاستراتيجية. فهي تلزم صانعي القرار بالعمل في بيئة تتسم بعدم اليقين، وندرة الموارد، وضرورة إنتاج تسويات متوازنة. وهذه الكفاءات مطلوبة بشكل خاص اليوم في دول تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وترابية متزايدة التعقيد.

غير أن هذه التجربة لا يمكن مساواتها بالشرعية السياسية. فالكفاءة التقنية تشكل ميزة مهمة، لكنها لا تحل محل النقاش الديمقراطي ولا آليات التمثيل التي تقوم عليها أي مسؤولية سياسية.

الحكامة الرياضية: مختبر للتدبير المؤسساتي

البعد الثاني من مسار فوزي لقجع يكمن في الحكامة الرياضية. فرئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تشكل مجالاً مثيراً للاهتمام لتحليل قدرات توجيه منظمة معقدة.

إن اختزال اتحاد رياضي في مجرد تنظيم مسابقات يعني تجاهل واقع أدائه. فمثل هذه المؤسسة تحشد موارد مالية مهمة، وتنسق شبكة من الفاعلين العموميين والخواص، وتدير بنيات تحتية، وتطور برامج تكوينية، وتقيم علاقات مع الجماعات الترابية، وتتحاور مع هيئات قارية ودولية.

ومن هذا القبيل، يمكن تحليل الحكامة الرياضية كمختبر حقيقي للتدبير الاستراتيجي. فالنتائج الرياضية ليست عادة نتاج الصدفة؛ بل تعكس جودة التنظيم، واستقرار التوجهات الاستراتيجية، والقدرة على التخطيط، وتماسك آليات الحكامة الموضوعة على مدى عدة سنوات.

الخبرة المكتسبة في مثل هذه البيئة تطور كفاءات تتجاوز بكثير الإطار الرياضي: قيادة المشاريع، وتسيير فرق متعددة التخصصات، وتعبئة الأطراف المعنية، وتوجيه برامج طويلة المدى، والقدرة على التوفيق بين مصالح متباينة أحياناً. وفي سياق تعمل فيه المنظمات العمومية الكبرى بشكل متزايد في شبكات، تشكل هذه الكفاءات موارد مهمة لأي مسؤول مدعو لممارسة مسؤوليات رفيعة المستوى.

بعد دولي يوسع مجال القيادة

إلى جانب مسؤولياته الوطنية، أخذ مسار فوزي لقجع يندرج تدريجياً في بعد دولي. فالمهام التي مارسها في الهيئات الرياضية القارية والعالمية عززت انكشافه على آليات التفاوض متعدد الأطراف، وعمليات اتخاذ القرار الجماعي، وقضايا التمثيل المؤسساتي.

هذه التجربة توضح تطوراً مهماً في العمل العام المعاصر. فالمنظمات الدولية الكبرى تشكل اليوم فضاءات تتقاطع فيها قضايا اقتصادية ودبلوماسية وثقافية وجيوسياسية. فالمسؤولون الذين يشاركون فيها يطورون كفاءات محددة في مجال التفاوض والتعاون والدبلوماسية المؤسساتية.

في الحالة المغربية، يكتسي هذا البعد أهمية خاصة في الوقت الذي تؤكد فيه المملكة المغربية موقعها على الساحتين الإفريقية والدولية، وتضاعف من المشاريع الكبرى التي تتطلب تعاوناً وثيقاً مع شركاء أجانب. فتأخذ القدرة على التطور في بيئات متعددة الثقافات وتمثيل المصالح الوطنية في أطر دولية تكتسب تدريجياً مكانة كمكون من القيادة العمومية.

مع ذلك، ينبغي التمييز بوضوح بين النفوذ المؤسساتي المكتسب على الساحة الدولية والشرعية السياسية الداخلية. فإذا كانت هذه التجارب تعزز رأس المال العلائقي ورؤية المسؤول، فإنها لا تحدد وحدها دوره في التوازنات السياسية الوطنية.

تراكم موارد مؤسساتية

يكشف تحليل مسار فوزي لقجع عن تراكم تدريجي لعدة أشكال من الموارد المؤسساتية.

الأولى هي مورد إداري، تم بناؤه عبر إتقان السياسات العمومية، والآليات الميزانياتية، والعمليات المرتبطة بقرارات الدولة.

والثانية هي مورد تنظيمي، ناتج عن قيادة مؤسسات معقدة وتنسيق فاعلين متعددين حول أهداف مشتركة.

والثالثة هي مورد علائقي، تم تطويره بفضل الشبكات الوطنية والدولية المعبأة في ممارسة مسؤوليات متنوعة.

ويضاف إليها مورد استراتيجي، يتعلق بالقدرة على إدراج القرارات في رؤية متوسطة وطويلة المدى، بالإضافة إلى مورد رمزي، تغذيه الرؤية العمومية المرتبطة بالمهام الممارسة والنتائج المحققة.

بمفردها، لا تكفي أي من هذه الموارد لتفسير مسار قيادي. بل إن تركيبها هو الذي يمنح بعض الشخصيات قدرة خاصة على التطور في بيئات مؤسساتية تتسم بتعقيد كبير.

قراءة تستدعي الحذر

غير أن التحليل الاستراتيجي لمسار مؤسساتي لا يجب أن يقود إلى استنتاجات متسرعة بشأن المصير السياسي لفوزي لقجع. فالأداء في قيادة منظمات عمومية، مهما كان مهماً، لا يتطابق مع الشرعية الديمقراطية. فالأنظمة السياسية تخضع لمنطق خاص، تتدخل فيه الأحزاب، والائتلافات، والديناميات الانتخابية، وتفضيلات المواطنين.

وبالتالي، فإن أهمية دراسة حالة فوزي لقجع تكمن أقل في التنبؤ بتطور سياسي محتمل، وأكثر في إبراز تحول عام في الشخصيات المثمنة في قيادة العمل العام. فمن خلال هذا المسار، نلاحظ ظهور قيادة تجمع بين الخبرة التقنية، والقدرة على التنسيق، والرؤية الاستراتيجية، والتجربة الدولية. هذا التطور لا يمس بمركزية الشرعية الانتخابية، لكنه يوحي بأن هذه الأخيرة تميل إلى الاقتران بمتطلبات متزايدة للكفاءة والأداء والحكامة.

وهذا التحول في القيادة العمومية، وليس مسار فرد، هو الذي يشكل الدرس الأساسي لهذا التحليل.

ما هي الدروس المستفادة للحكامة العمومية المغربية؟

يتجاوز تحليل مسار فوزي لقجع إطار مسار فردي. فهو يدعو إلى تفكير أوسع حول تحولات القيادة العمومية في المغرب والكفاءات المنتظرة الآن من المسؤولين المكلفين بقيادة التحولات الكبرى للدولة. وأكثر من حالة خاصة، يظهر هذا المسار ككاشف للتطورات الجارية في أنماط الحكامة ومعايير تقييم الأداء العمومي.

في الوقت الذي تسرع فيه المملكة تنفيذ النموذج التنموي الجديد، وتستعد لتنظيم كأس العالم 2030، وتواصل الإصلاحات في مجالات الجهوية المتقدمة، ورقمنة الإدارة، وتحسين فعالية السياسات العمومية، تكتسي مسألة القيادة بعداً استراتيجياً. فالمؤسسات لم تعد تبحث فقط عن صناع قرار قادرين على تدبير الشؤون العامة؛ بل تحتاج إلى قادة قادرين على توجيه أنظمة معقدة، وتنسيق فاعلين متعددين، وإدراج عملهم في رؤية طويلة المدى.

تحول عميق في تطلعات القادة العموميين

تندرج التحولات الملاحظة في المغرب ضمن اتجاه دولي أوسع. فالحكامة العمومية تواجه اليوم مضاعفة المخاطر، وتسارع التغيرات التكنولوجية، وضغوطاً متزايدة على المالية العمومية، وتطلعات اامواطنين متزايدة الإلحاح. وفي هذه البيئة، تظل الصفات المرتبطة تقليدياً بالقيادة السياسية ضرورية، لكنها لم تعد كافية وحدها.

فالمواطنون يتوقعون اليوم من المؤسسات أن تكون قادرة على تحقيق نتائج مرئية، وضمان استخدام كفء للموارد العمومية، وتقديم حساب عن أدائها. وهذا التطور يغير تدريجياً المعايير التي يُقيّم بها المسؤولون العموميون.

تميل القيادة المعاصرة إلى الاستناد إلى مزيج من عدة أبعاد متكاملة:

o رؤية استراتيجية تمكن من استباق التطورات طويلة المدى؛
o قدرة على قيادة إصلاحات معقدة؛
o قدرة على تنسيق مؤسسات ذات مصالح متباينة أحياناً؛
o ثقافة الأداء والتقييم؛
o قدرة على بناء الثقة عبر الشفافية والمسؤولية.

هذا التطور لا يعكس تكنوقراطية مفرطة في القرار السياسي. بل يعكس بالأحرى ظهور نمط حكامة تصبح فيه الكفاءة عاملاً في المصداقية السياسية دون أن تحل محل الشرعية الديمقراطيةً.

القيادة الهجينة: واقع مؤسساتي جديد

أحد الدروس الرئيسية للحالة لقجع هو على الأرجح ظهور ما يمكن تسميته بالقيادة الهجينة.

يجمع هذا النوع من القيادة بين عدة سجلات من الخبرة كانت في السابق منعزلة نسبياً: الإدارة العمومية، والتدبير الاستراتيجي، والعلاقات الدولية، وقيادة المشاريع، والتواصل المؤسساتي. وهذا التهجين يستجيب مباشرة للتعقيد المتزايد للسياسات العمومية.

في السياق المغربي، تحشد المشاريع الوطنية الكبرى اليوم في آن واحد عدة وزارات، والجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية، والمقاولات الخاصة، والشركاء الدوليين، ومنظمات المجتمع المدني. ويعتمد نجاح هذه المشاريع أقل على السلطة الهرمية وأكثر على القدرة على بناء أنماط تعاون دائم بين فاعلين يسعون لأهداف مختلفة أحياناً.

فتصبح القيادة بذلك وظيفة تنسيق أكثر منها وظيفة أمر. وهذا التطور يقرب تدريجياً المسؤولين العموميين من دور “قادة الفرق” القادرين على توجيه منظمات مستقلة حول رؤية مشتركة. وتصبح المهارات العلائقية، والتفاوض، وتدبير النزاعات، وتعبئة الأطراف المعنية، بنفس أهمية الخبرة التقنية نفسها.

الخبرة المؤسساتية كرأس مال استراتيجي

يكشف المسار الذي تم تحليله أيضاً عن الأهمية المتزايدة للخبرة المؤسساتية كمورد استراتيجي.

فقيادة السياسات العمومية، وتدبير المنظمات المعقدة، أو المشاركة في مفاوضات دولية، تنتج رأس مال من الخبرة لا يمكن اختزاله في مجرد تراكم المهام. فهي تطور أنماطاً من التفكير، وقدرات تحكيمية، ومعرفة عميقة بآليات القرار العمومي.

تتمتع هذه الخبرة بعدة مزايا.

فهي تعزز أولاً فهماً أفضل للتفاعلات بين مكونات الدولة المختلفة. فلم تعد السياسات العمومية الحديثة تقتصر على وزارة واحدة أو إدارة واحدة؛ بل تتطلب آليات دائمة للتنسيق والتكامل.

وتطور ثانياً ثقافة تدبير القيود. فصناع القرار العمومي مضطرون باستمرار للتحكيم بين أهداف متزاحمة: النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة الميزانياتية، والجاذبية الدولية، أو التماسك الترابي.

وأخيراً، تعزز القدرة على التكيف في مواجهة الأزمات. فالمؤسسات التي تواجه بيئات غير مستقرة تبحث عن قادة قادرين على اتخاذ قرارات في حالات تتسم بعدم اليقين، بدلاً من مجرد مديري إجراءات.

ويشكل هذا التراكم التدريجي للخبرة اليوم أحد العوامل الرئيسية لمصداقية القادة العموميين في العديد من البلدان.

حدود المقاربة الإدارية البحتة

غير أن تطور القيادة العمومية لا يمكن أن يقود إلى الخلط بين الحكامة المؤسساتية والشرعية الديمقراطية.

فالفعالية الإدارية، وإتقان السياسات العمومية، أو نجاح المشاريع الكبرى، تشكل مؤشرات أداء مهمة، لكنها لا تحل محل النقاش السياسي، ولا تمثيل المواطنين، ولا الآليات الانتخابية التي تقوم عليها الديمقراطية.

أحد المخاطر الرئيسية للمقاربات الإدارية البحتة هو على وجه التحديد اختزال القرار العمومي في منطق النتائج القابلة للقياس.

فالحكم لا يقتصر على إنتاج أداء إداري جيد، بل يعني أيضاً التحكيم بين مصالح متباينة، وبناء تسويات، وتدبير تطلعات متضاربة، وتحمل خيارات تتعلق غالباً بتفضيلات جماعية أكثر منها بحلول تقنية.

هذا التمييز أساسي لفهم حدود حالة فوزي لقجع موضوع هذا التحليل. فالمسار المؤسساتي النموذجي لا يسمح أبداً، بمفرده، بالتنبؤ بمسار سياسي. والديناميات الانتخابية تعتمد على عوامل متعددة — استراتيجيات حزبية، ائتلافات، سياق اقتصادي، تطلعات اجتماعية، أو حتى ظرفية دولية — تفلت إلى حد كبير من الكفاءات الفردية وحدها.

ثلاثة سيناريوهات لتطور القيادة العمومية في المغرب

انطلاقاً من الاتجاهات الملاحظة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات للسنوات القادمة.

الأول هو سيناريو تعزيز القيادة المؤسساتية. وفي هذه الفرضية، ستواصل الشخصيات التي تتمتع بخبرة إدارية واستراتيجية صلبة احتلال مكانة متزايدة في قيادة المشاريع الوطنية الكبرى. وستعزز الإصلاحات التي أطلقتها المملكة الطلب على الكفاءات في مجال التوجيه والتنسيق وتقييم السياسات العمومية.

السيناريو الثاني هو سيناريو تهجين متزايد بين الخبرة المؤسساتية والمسؤولية السياسية. فقد يُدعى المسؤولون المنحدرون من الإدارة العليا للعب دور أكثر وضوحاً في المجال السياسي، بشرط أن ينجحوا في ربط خبرتهم بمتطلبات الشرعية الديمقراطية. لكن مثل هذا التطور لن يكون تلقائياً ولا خطياً؛ بل سيتوقف على خيارات الأحزاب، والتوازنات المؤسساتية، وتفضيلات الناخبين.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في اعتبار أن التغيير الحقيقي لا يتعلق بشخصية معينة، بل بتطور معايير انتقاء النخب العمومية. ففي هذا المنظور، ستعطي المؤسسات أهمية متزايدة للقدرة الاستراتيجية، وقيادة المشاريع المعقدة، والتعاون بين المؤسسات، وإتقان القضايا الدولية، وخلق القيمة العمومية. وسيعكس هذا السيناريو تحولاً في نموذج القيادة العمومية في المغرب، يقوم أكثر على الكفاءة والتنسيق والأداء، بدلاً من المعايير التقليدية للشرعية فقط.

نحو ثقافة جديدة للعمل العام

وراء حالة فوزي لقجع، يبرز هذا التحليل تطوراً أعمق للدولة المغربية. فالتحديات التي تواجهها المملكة — القدرة التنافسية الاقتصادية، والتحول الرقمي، والصمود الترابي، والسيادة الاستراتيجية، وتنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، وتعزيز جاذبية البلاد — تتطلب أشكالاً من القيادة قادرة على تجاوز المقاربة القطاعية لعبئة جميع الموارد المؤسساتية.

ستكون القيادة العمومية المستقبلية أقل تحديداً بالسلطة الرسمية وأكثر بالقدرة على توحيد الفاعلين، وقيادة تحولات مستدامة، وتحقيق نتائج قابلة للقياس في خدمة المصلحة العامة.

من هذا المنظور، لا تشكل حالة لقع استثناءً بقدر ما هي كاشف للتطورات التي تعبر اليوم الحكامة العمومية المغربية. فهي تبين أن معايير مصداقية القادة العموميين تميل تدريجياً إلى دمج أبعاد مثل الرؤية الاستراتيجية، والقدرة على التنفيذ، والتعاون المؤسساتي، والإشعاع الدولي، وخلق القيمة العمومية. ولذلك، لن يكون رهان السنوات القادمة فقط تجديد النخب الحاكمة، بل قدرتها على الجمع بين الشرعية الديمقراطية، وفعالية العمل العام، والحكامة الاستراتيجية، من أجل تلبية طموحات التنمية للمملكة.

خاتمة

يؤدي التحليل الذي طورته هذه المقالة إلى خلاصة أساسية: الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في دراسة مسار شخصية عمومية، بل في فهم التحولات التي تؤثر اليوم على أنماط الحكامة ومعايير ممارسة القيادة العمومية في المغرب. فمن خلال حالة فوزي لقجع، يظهر تطور أعمق: تطور دولة تواجه تحديات متزايدة التعقيد، تتطلب مسؤولين قادرين على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والقدرة على التنسيق، والفعالية التشغيلية، وحس المصلحة العامة.

ويندرج هذا التطور في دينامية دولية تحولت فيها تطلعات القادة العموميين بعمق. ففي بيئة تتسم بالعولمة، والتحول الرقمي، وضرورات الاستدامة الميزانياتية، والتحولات الجيوسياسية، وتسارع التغيرات المجتمعية، لم يعد من الممكن تقييم شرعية المسؤول فقط من خلال منصبه المؤسساتي أو انتمائه السياسي. بل تستند أيضاً إلى قدرته على تحقيق النتائج، وقيادة إصلاحات معقدة، وتعبئة فاعلين متعددين، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

المغرب ليس استثناءً من هذا التطور. فالمشاريع الكبرى المنطلقة بتوجيه من صاحب الجلالة الملك محمد السادس — سواء تعلق الأمر بالجهوية المتقدمة، أو تعميم الحماية الاجتماعية، أو تحديث الإدارة، أو التحول الرقمي، أو التحضير لكأس العالم 2030، أو تنفيذ النموذج التنموي الجديد — تتطلب أشكالاً من القيادة قادرة على تجاوز المقاربات القطاعية التقليدية. هذه المشاريع تحرك في آن واحد عدة إدارات، وجماعات ترابية، ومؤسسات عمومية، وشركاء اقتصاديين، وفاعلين دوليين. ويعتمد نجاحها قبل كل شيء على جودة الحكامة والقدرة على ضمان تنسيق فعال بين هذه المستويات المختلفة للتدخل.

في هذا السياق، يشكل مسار فوزي لقجع أرضية رصد مثيرة للاهتمام. فتجربته في المالية العمومية، والحكامة الرياضية، والهيئات الدولية، تبرز مجموعة من الكفاءات التي تتوافق مع المتطلبات المعاصرة للعمل العام: توجيه الأنظمة المعقدة، والتحكيم الاستراتيجي، والتفاوض، والتنسيق المؤسساتي، وتدبير المشاريع الكبرى. غير أن أهمية هذا التحليل لا تكمن في تقييم شخص، بل فيما يكشفه هذا المسار عن تطور الشخصيات التي قد تلعب دوراً متزايداً في قيادة السياسات العمومية.

ومع ذلك، من المهم التأكيد بشدة على أن المسار المؤسساتي، مهما كان غنياً، لا يمكن مساواته بمسار سياسي. فالأنظمة الديمقراطية تقوم على آليات التمثيل، والمنافسة الانتخابية، والتداول الجماعي، التي تخضع لمنطق مختلف عن منطق التدبير الإداري. فالكفاءة التقنية والأداء التنظيمي يشكلان موارد قيمة للعمل العام، لكنهما لا يحلان محل الشرعية الديمقراطية ولا دور التشكيلات السياسية في تنظيم الحياة العامة.

هذا التمييز أساسي للحفاظ على دقة التحليل. فموضوع هذه المقالة ليس التنبؤ بتطورات سياسية ولا استباق خيارات مؤسساتية. بل هو إبراز الاتجاهات التي تعيد تعريف القيادة العمومية تدريجياً في سياق التعقيد المتزايد لعمل الدولة.

وبشكل أوسع، يدعو هذا التفكير إلى تجاوز التعارضات الاصطناعية أحياناً بين التكنوقراطية والسياسة. فالتحولات الملاحظة في المغرب، كما في العديد من الديمقراطيات، توحي بأقل من استبدال إحداهما بالأخرى، وبأكثر من تكامل جديد بين الشرعية الديمقراطية والكفاءة المؤسساتية. فسيتعين على المسؤولين العموميين في الغد أن يكونوا قادرين ليس فقط على حمل رؤية سياسية، بل أيضاً على تحويل هذه الرؤية إلى سياسات عمومية متماسكة، وقابلة للتقييم، وخالقة للقيمة للمجتمع.

سيعتمد مستقبل القيادة العمومية على قدرة المؤسسات على إدماج شخصيات تجمع بين عدة صفات أصبحت لا تنفصل: الرؤية الاستراتيجية، وإتقان الحكامة، والقدرة على قيادة الإصلاحات، وثقافة الأداء، وحس المسؤولية، والقدرة على توحيد فاعلين ذوي مصالح متباينة أحياناً. وفي بيئة أصبحت فيها السياسات العمومية أكثر شمولاً وترابطاً، لن يمكن تصور القيادة بعد الآن كممارسة منعزلة للسلطة، بل كقدرة على بناء تحالفات عمل، وخلق الثقة، وتحقيق نتائج مستدامة.

في النهاية، تظهر حالة فوزي لقجع كاستثناء وككاشف لتطور أوسع لمعايير مصداقية القادة العموميين. فهو يشهد على الأهمية المتزايدة المولاة للحكامة الاستراتيجية، والقدرة على التنفيذ، وتوجيه المنظمات المعقدة، والإشعاع المؤسساتي. وهذه العناصر لا تحدد وحدها المصير السياسي؛ لكنها تسلط الضوء على التحولات العميقة التي تعبر اليوم العمل العمومي المغربي.

مع اقتراب مرحلة سياسية جديدة، قد لا يكون السؤال الأساسي هو معرفة من سيكون القادة المستقبليون للمملكة، بل أي الكفاءات، وأي أشكال الحكامة، وأي قدرات تحولية ستعتبر الآن ضرورية لقيادة المغرب في بيئة وطنية ودولية متزايدة الطلب. ربما عند هذا التقاطع بين الشرعية الديمقراطية، والفعالية المؤسساتية، والرؤية الاستراتيجية، سيتحدد نموذج القيادة العمومية المغربية للعقد القادم.

 

بقلم سعد بوعشرين: رئيس المعهد الدولي للحكامة

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *