البناء الاستراتيجي الممتد ومعالم المغرب الصاعد في خطاب العرش 2026

يقدم الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس على العرش وثيقة تأسيسية ذات عمق استراتيجي إذ لم يقتصر على عرض نتائج العمل التنموي أو رصد المؤشرات الاقتصادية والقطاعية، بل وضع إطارا تحليليا شاملا لمنطق الحكم ومرجعية بناء الدولة المعاصرة. فالخطاب يربط بوضوح بين ثمار الإنجاز الممتدة عبر السنوات، وفاعلية المؤسسات وصولا إلى تعزيز مكانة المغرب كقوة إقليمية تصون سيادتها الوطنية في ظل ظروف دولية مطبوعة بالاضطراب وتصاعد السياسات الحمائية .

وتتجلى أولى النقاط الواردة في نص الخطاب حول مسألة التأسيس لمفهوم الزمن الاستراتيجي للدولة في مقابل الزمن السياسي الانتخابي .. كون أن الخطاب يوضح المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت على مدى سبع وعشرين سنة ليست وليدة مرحلة حكومية أو برلمانية بعينها، بل هي نتيجة رؤية استراتيجية ممتدة وتراكمات إيجابية متواصلة تعلو فوق الحسابات المرحلية الضيقة. وفي هذا السياق؛ يتجلى مفهوم القيادة في التجرد التام من البحث عن المجد الشخصي أو الريادة الشكلية، وتأطير أمانة المسؤولية بوصفها خدمة عمومية تهدف أساسا إلى توفير شروط العيش الحر الكريم للمواطنين .. كما يؤكد الخطاب على منهج في الحكم يستند إلى المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء والعمل الإيجابي وهو منهج يستبدل الاكتفاء بالذات بثقة عملية تجعل من التقييم المستمر محركا لمواصلة مغرب الإصلاحات .

وعلى المستوى المؤسساتي والدستوري، يستحضر الخطاب عراقة “الدولة-الأمة” بوصفها بناء تاريخيا ومؤسساتيا يمتلك القدرة على مواجهة الصدمات وتحويل التحديات إلى فرص للتطور. فالاستقرار السياسي والمؤسسي لا يطرح كمجرد حالة أمنية ساكنة، بل كرأس مال استراتيجي وعنصر أساسي في معادلة التنمية والجاذبية الاقتصادية وتظهر هذه الفاعلية المؤسساتية ميدانيا من خلال السرعة والنجاعة في التعامل مع الأزمات، كما تجسد في التدبير الاستباقي لفيضانات مناطق الشمال والغرب إلى جانب التنظيم المحكم للتظاهرات القارية والدولية الذي يعزز موقع المملكة المغربية وموثوقيتها عبر العالم .

وفيما يتعلق بالبناء الاقتصادي، يقدم الخطاب رؤية متكاملة لتقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي بحيث تتجاوز منطق الأرقام المجردة، رغم تسجيل معدلات نمو إيجابية بلغت %4.9 سنة 2025 مع توقع تحقيق نفس المعدل أو تجاوزه في سنة 2026 وتعتمد هذه الرؤية على أربعة أركان أساسيـــة :

 

أولها : التنمية الصناعية والتكنولوجية عبر تعزيز الاكتفاء الاستراتيجي والانخراط في سلاسل الإنتاج العالمية ذات القيمة المضافة العالية؛ كصناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والتي أصبحت تشكل صادراتها أكثر من %40 من إجمالي الصادرات الوطنية متقدمة على الفوسفاط، مع تبوئ المملكة المغربية المرتبة الأولى إفريقيا بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا .. ويزداد هذا المسار قوة بدخول المغرب إلى النادي المصغر للدول المالكة لمراكز تصنيع محركات وأنظمة هبوط الطائرات، والاستثمار الاستباقي في صناعة البطاريات الكهربائية، فضلا عن تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر لجعل الطاقة النظيفة ركيزة للأمن الطاقي وعاملا لجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية .

وثانيها : تعزيز السيادة الدفاعية من خلال إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، وهو تحول يربط بين تقوية القدرات الدفاعية والأمنية الوطنية وبين خلق فرص التنمية وترسيخ مكانة المملكة المغربية كقوة إقليمية في هذه المجالات .

وثالثها : تحقيق الأمن المائي والغذائي والاعتماد على الذات في القطاعات الحيوية لمواجهة التحولات الدولية وتأمين سلاسل التوريد، حيث تمكنت الصناعات الغذائية والدوائية من تغطية ما يقارب %80 من الحاجيات الوطنية بالتوازي مع استثمار التساقطات المطرية والموسم الفلاحي الجيد لهذه السنة لدعم الأمن المائي والغذائي .

ورابعها : الاعتماد على التمويل الداخلي، حيث يوجه الخطاب دعوة صريحة إلى القطاع المالي والبنكي الوطني والادخار المؤسساتي لمواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى وتسهيل وصول المقاولات الصغيرة والمتوسطة للتمويل ودعم الابتكار والتصنيع والتصدير لتسريع حركة التنمية الوطنية .

ولا ينفصل هذا التطور الاقتصادي عن بعده الاجتماعي والترابي إذ يشدد الخطاب على التلازم بين النمو الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية من خلال مواصلة برامج التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية والتنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل كافة الجهات والمناطق دون استثناء بهدف تحسين ظروف عيش المواطنين .

وعلى المستوى الدولي يكرس الخطاب توجهات السياسة الخارجية القائمة على الوضوح والمسؤولية حيث أن المغرب اليوم يتعامل مع شركائه كفاعل اقتصادي موثوق وشريك مطلوب، مما يتيح له طرح مبادرات تعاون جديدة وموازنة ومساءلة كافة الشركاء بوضوح وثقة. كما يؤكد الخطاب الملكي على خيار تنويع الشراكات الدولية كقرار استراتيجي يعزز القدرات الوطنية ويضمن استقلالية القرار الوطني .

يقدم الخطاب رؤية شاملة تعتمد التفاؤل والعمل الواقعي لمواجهة خطابات الإحباط واليأس وتتجلى هذه الرؤية في رسم معالم المرحلة السياسية والانتخابية المقبلة إذ يرتقب الخطاب من الحكومة الجديدة ـ عقب الانتخابات التشريعية القادمة ـ إطلاق دورة تنموية جديدة تقوم على تحصين الإنجازات ومواصلة الإصلاحات الهيكلية ببلادنا .

وهكذا يتجلى الخطاب بوصفه بوصلة توجه المستقبل حيث تتراجع الحسابات الانتخابية العابرة أمام منطق الدولة ومسؤوليتها التاريخية، ليتحول التراكم التنموي والاستقرار المؤسساتي والسيادة الوطنية إلى قواعد صلبة لنهضة مغربية ممتدة .. وهي خيارات تضع الحكومة القادمة مباشرة أمام امتحان تحصين هذه المكتسبات وتنزيل الجيل الجديد من الإصلاحات .

 

ياسيــن كحلـي

مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *