محمد التويمي بنجلون.. حين تلتقي خبرة المختبر بالعمل البرلماني

محمد التويمي بنجلون.. حين تلتقي خبرة المختبر بالعمل البرلماني والشبكات المهنية في سؤال مستقبل الصحة بالمغرب

من الممارسة المهنية في البيولوجيا الطبية والكيمياء السريرية، إلى تدبير مرحلة كوفيد-19، ومن العمل البرلماني إلى المسؤولية الترابية والانفتاح على الشبكات المهنية العربية والفرنكفونية، مسار يضع الكفاءة الصحية في صلب النقاش حول مستقبل المنظومة الصحية المغربية.

في النقاش المتجدد حول مستقبل قطاع الصحة بالمغرب، لا يتعلق الأمر بعدد المستشفيات أو حجم الموارد المالية فحسب، بل أيضاً بنوعية الكفاءات القادرة على الربط بين المعرفة الطبية والإدارة والتشريع والتدبير والانفتاح على التجارب الدولية.

وفي هذا السياق، يبرز مسار محمد التويمي بنجلون لأنه يجمع بين أكثر من مستوى من الفعل العمومي: ممارسة مهنية في التحاليل والبيولوجيا الطبية، وتجربة خلال أزمة كوفيد-19، وحضور برلماني داخل لجنة القطاعات الاجتماعية، ومسؤولية في التدبير الترابي، إلى جانب عضوية في أطر مهنية وطنية وعربية وفرنكفونية متخصصة.

كوفيد-19.. حين تحولت الخبرة المهنية إلى فعل في قلب الأزمة

خلال الأسابيع الأولى من الجائحة، أصبح توسيع قدرات التشخيص والتحاليل محوراً أساسياً في مواجهة الوباء.

وفي مارس 2020، أعلن التويمي بنجلون، بصفته صيدلياً مختصاً في التحاليل الطبية، وضع مختبره وطاقمه الطبي رهن إشارة وزارة الصحة. ودعا كذلك إلى إشراك مختبرات التحاليل الطبية الخاصة إلى جانب المختبرات العمومية في الكشف عن فيروس كورونا، معتبراً أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص قد تخفف الضغط عن المؤسسات الاستشفائية.

وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تُظهر انتقال المعرفة المهنية من فضاء المختبر إلى النقاش العمومي حول تدبير أزمة صحية وطنية واسعة النطاق. وارتبط حضوره في تلك المرحلة أيضاً بنقاشات برلمانية فرنكفونية حول الدروس المستخلصة من الأزمة والتعاون الدولي في الوقاية من الأوبئة.

من تجربة الأزمة إلى ثقافة تدبير المخاطر

تكشف الأزمات الصحية عادةً أهمية ثلاثة عناصر مترابطة: القدرة على التشخيص، وسرعة اتخاذ القرار، والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

ومن هذه الزاوية، تمنح خبرته في المختبرات والبيولوجيا الطبية فهماً خاصاً لقضايا الأمن الصحي، من التحاليل والتشخيص إلى جودة الخدمات الطبية وتدبير المخاطر. غير أن قيمة التجربة لا تقف عند الجانب التقني، فقد أتاح له العمل البرلماني مقاربة القضايا الصحية من زاوية التشريع والمراقبة والسياسات العمومية.

البرلمان.. من المعرفة الصحية إلى مساءلة السياسات العمومية

خلال الولاية التشريعية 2021-2026، كان التويمي بنجلون عضواً في لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب عن دائرة الفداء-مرس السلطان، ضمن فريق الأصالة والمعاصرة. وتفيد الصفحة الرسمية لمجلس النواب بأن رصيده البرلماني شمل 31 سؤالاً مسجلاً، من بينها أسئلة ذات صلة مباشرة بالصحة والحماية الاجتماعية.

ومن الملفات التي أثارها عودة انتشار داء السل، وارتفاع الإصابات بالحصبة، واستقالات أطباء القطاع العام، إضافة إلى سؤال حول التدابير الاستباقية لمواجهة خطر فيروس هانتا. كما أثار موضوع تأمين مخزون الأدوية الأساسية في ظل ما وصفه بتكرر حالات النقص، مشيراً إلى أدوية مرتبطة بأمراض مزمنة ومجالات علاجية مختلفة.

وهنا يتجلى الجمع بين الخبرة المهنية والعمل الرقابي: فالمختبر يمنح معرفة مباشرة بتفاصيل القطاع، بينما يتيح البرلمان نقل هذه المعرفة إلى سؤال السياسات العمومية والموارد وجودة الخدمات والولوج إلى العلاج.

من الصحة إلى التدبير الترابي

الدكتورة أسماء مقاس باحثة في القانون العام والعلوم السياسية والقانون الدستوري
الدكتورة أسماء مقاس باحثة في القانون العام والعلوم السياسية والقانون الدستوري

لا يقتصر مساره على المجالين الصحي والبرلماني، فقد انتُخب في 15 ماي 2024 رئيساً لمجلس مقاطعة مرس السلطان بالدار البيضاء، بعد حصوله على 17 صوتاً مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، بحسب المعطيات المنشورة على البوابة الرسمية للمقاطعة.

وتُظهر البوابة نفسها ترؤسه اجتماعات المكتب ودورات المجلس، ومتابعته ملفات مرتبطة بالتنمية المحلية والمشاريع والخدمات. وناقش المجلس في دورة يونيو 2024 المشاريع المبرمجة داخل تراب المقاطعة وطريقة تدبير ملاعب القرب، تلتها لقاءات حول برنامج عمل المقاطعة وآفاق تنمية المنطقة.

وتضيف هذه التجربة بعداً جديداً: الاحتكاك المباشر بالتدبير اليومي وانتظارات المواطنين.

شبكة مهنية تمتد من المغرب إلى الفضاءين العربي والفرنكفوني

تشير المعطيات المهنية المتوفرة إلى عضويته في عدد من الأطر المتخصصة في الكيمياء السريرية والبيولوجيا الطبية. فهو عضو في الجمعية المغربية للكيمياء السريرية، وفي الاتحاد العربي للكيمياء السريرية والطب المخبري، كما يُذكر مؤسساً للفدرالية الدولية الفرنكفونية للتحاليل البيولوجية.

وتتقاطع اهتمامات هذه الهيئات مع قضايا التشخيص وجودة التحاليل والتكوين وتبادل الخبرات والتطور العلمي والتقني. ويمكن للعلاقات المهنية، حين ترتبط بالمؤسسات والخبرة العلمية، أن تصبح جسوراً للتعاون وتبادل المعرفة.

شهادة مهنية من الفضاء العربي

وفي هذا الإطار، وجّه الاتحاد العربي للبيولوجيا السريرية والطب المخبري خطاب تهنئة بمناسبة انتخابه عضواً بمجلس النواب، أشاد فيه بمساره المهني والعلمي وإسهاماته في الكيمياء السريرية والبيولوجيا الطبية، وبحضوره في أنشطة الاتحاد ودعمه مشاريع وأفكاراً مرتبطة بالمجال. وأشار الخطاب إلى دوره في تعزيز حضور البيولوجيا السريرية والطب المخبري المغربي في المحافل العربية والدولية.

ورغم الطابع البروتوكولي لمثل هذه الخطابات، فإنها تعكس صلة الكفاءة المهنية بالامتداد المؤسساتي خارج الحدود الوطنية.

من التدبير المحلي إلى الدبلوماسية الصحية

في عالم أصبحت فيه الأزمات الصحية عابرة للحدود، لم يعد تطوير المنظومة الصحية شأناً وطنياً مغلقاً. فالأوبئة وسلاسل توريد الأدوية واللقاحات والتكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي في التشخيص والبيانات الصحية، كلها ملفات تتطلب تعاوناً وتبادلاً للخبرات.

ومن هنا يمكن اعتبار الشبكات المهنية العربية والفرنكفونية رصيداً قابلاً للاستثمار في التعاون الصحي والتكوين المستمر والبحث العلمي وتطوير جودة المختبرات والطب المخبري.

سؤال المستقبل: كيف تتحول الخبرة إلى سياسة صحية أكثر تكاملاً؟

يعيش المغرب مرحلة متقدمة من إعادة تشكيل منظومته الصحية، تشمل إصلاح القطاع وتوسيع التغطية الصحية وتطوير الموارد البشرية وتعزيز البنيات الاستشفائية وتحسين جودة الخدمات وتقوية الوقاية والتشخيص.

وفي هذه المرحلة يُطرح سؤال أوسع: كيف يمكن تحويل الخبرات المتراكمة لدى المهنيين والأطباء والصيادلة والباحثين والفاعلين المؤسساتيين إلى سياسات عمومية أكثر انسجاماً مع حاجيات المجتمع؟

وفي إطار هذا السؤال، يجمع مسار التويمي بنجلون أربعة عناصر: الممارسة المهنية، والخبرة خلال الأزمات، والعمل البرلماني، والانفتاح على الشبكات المهنية الدولية. ولا يعني ذلك اختزال مستقبل الصحة في شخص أو تجربة واحدة، فإدارة قطاع بهذا الحجم تتطلب منظومة كاملة من الكفاءات والمؤسسات. لكن استحضار مثل هذه التجارب يفتح النقاش حول نوع الخبرة التي تحتاجها القطاعات الاستراتيجية، وحول الانتقال من المعرفة المتخصصة إلى صناعة القرار.

خاتمة

لا تكمن أهمية هذه التجربة في تعدد المواقع التي مر بها صاحبها فحسب، بل في الصلة بينها: صيدلي متخصص في التحاليل الطبية، وفاعل مهني داخل أطر متخصصة، وصاحب تجربة خلال أزمة صحية غير مسبوقة، وبرلماني في لجنة القطاعات الاجتماعية، ومسؤول ترابي في التدبير المحلي.

ومن المختبر إلى البرلمان فمجلس المقاطعة، ومعها الشبكات المهنية العربية والفرنكفونية، تُطرح مسألة تتجاوز الشخص نفسه: كيف يجعل المغرب من الخبرة المهنية والعلمية رافعة لصناعة السياسات العمومية، خصوصاً في القطاعات التي تمس الأمن الصحي والاجتماعي للمواطنين؟ وهي مسألة تزداد إلحاحاً مع تداخل المعرفة العلمية والقرار السياسي والقدرة التدبيرية والتعاون الدولي في مجال الصحة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *