في ظل التحولات التي يعرفها قطاع التعليم العالي بالمغرب، تبرز قضية “التوقيت الميسر” كأحد الرهانات الأساسية لتوسيع دائرة الولوج إلى الجامعة، وجعلها أكثر انفتاحاً على مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، دون المساس بمعايير الجودة الأكاديمية التي تشكل عماد التكوين الجامعي.
وفي هذا السياق، يبسط الدكتور أحمد أجعون، العميد بالنيابة لكلية الحقوق بالقنيطرة، تجربة الكلية في اعتماد أنماط زمنية مرنة، على شكل أجوبة عن تتساؤلات عالقة، من قبيل كيف يمكن التوفيق بين متطلبات الانفتاح على الطلبة العاملين وذوي الظروف الخاصة، وبين ضرورة الحفاظ على صرامة التكوين ومستوى المخرجات. فإلى أي حد نجحت هذه الصيغة في تحقيق التوازن المنشود؟ وما هي التحديات التي تواجهها الجامعة في هذا المسار؟
وفي ما يلي نص الحوار:
س: أثار إقرار رسوم لمتابعة الدراسة بالنسبة إلى بعض الفئات نقاشا حول مجانية التعليم العالي. بداية، ما الأساس الذي يستند إليه نظام التوقيت الميسر؟
عميد الكلية بالنيابة:
خص القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي هذه الصيغة بمقتضى صريح. فقد نصت المادة 81 على إمكانية تنظيم مؤسسات التعليم العالي تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن في توقيت ميسر والتكوين المستمر.
كما حددت المادة نفسها نطاق المستفيدين بصورة واضحة، بالنص على أن التكوينات الأساسية المعتمدة في إطار التوقيت الميسر تنظم لفائدة العاملين بالقطاعين العام والخاص وكل الأشخاص الراغبين في ذلك.
وهذه نقطة مهمة، لأن التوقيت الميسر لا ينبغي اختزاله في كونه نظاما خاصا بالموظفين أو الأجراء،
ومن هنا ينبغي قراءة التوقيت الميسر في إطار أوسع يرتبط بتنوع فئات الطلبة، والتعلم مدى الحياة، وتكييف الزمن الجامعي مع التحولات الاجتماعية والمهنية، وليس فقط من زاوية استخلاص الرسوم
س: هل يعني ذلك أن التوقيت الجامعي التقليدي لم يعد كافيا؟
العميد بالنيابة:
هو يظل الصيغة الأساسية، لكنه لا يستطيع دائما الاستجابة لجميع الوضعيات.
قد نجد موظفا يرغب في تطوير مؤهلاته، أو أجيرا يريد استكمال دراسته، أو شخصا تحول التزاماته المهنية أو الاجتماعية دون الحضور خلال الأوقات الجامعية التقليدية.
لذلك فإن اعتماد توقيت أكثر مرونة يشكل استجابة لهذا التنوع.
والتوقيت الميسر لا ينبغي النظر إليه باعتباره امتيازا لفئة معينة، وإنما باعتباره أداة من أدوات تكييف الخدمة الجامعية مع حاجات المجتمع.
س: لكن ألا يطرح تخصيص صيغة مؤدى عنها إشكالا من زاوية المساواة بين الطلبة؟
العميد بالنيابة:
المساواة لا تعني بالضرورة المعاملة الحسابية أو الشكلية نفسها لجميع الأشخاص مهما اختلفت أوضاعهم.
المساواة القانونية تقتضي أساسا معاملة الأشخاص الذين يوجدون في مراكز قانونية متماثلة وفق القواعد نفسها، ولا تحول دون اعتماد شروط مختلفة عندما تكون الوضعيات مختلفة، متى استند ذلك إلى معايير موضوعية ومشروعة.
وهذا أمر نجده في عدد كبير من الخدمات العمومية، حيث يمكن أن تختلف شروط الاستفادة أو المساهمات بحسب الفئات أو طبيعة الخدمة المقدمة.
وفي مجال التعليم كذلك، لا تعني المساواة دائما تقديم الخدمة نفسها بالطريقة الزمنية والتنظيمية نفسها للجميع، وإنما قد تقتضي اعتماد صيغ مختلفة حتى يتمكن أشخاص يوجدون في أوضاع مختلفة من الاستفادة من الحق نفسه.
وهنا يمكن أن يكون التوقيت الميسر أداة لتحقيق قدر أكبر من الإنصاف وتكافؤ فرص الولوج.
س: وكيف يمكن التوفيق بين ذلك وبين مجانية التعليم العالي العمومي؟
العميد بالنيابة:
ينبغي هنا التمييز بين مسألتين: مجانية الولوج إلى التكوين الأساسي وفق الصيغة العادية، ومرونة تنظيم التكوين وفق صيغة خاصة.
إقرار التوقيت الميسر لا يعني إلغاء المسار العادي ولا فرض رسوم على الطالب الذي يتابع دراسته وفقه.
فالطالب يستمر في إمكانية الولوج إلى التكوين الأساسي وفق التوقيت العادي دون أن يصبح التوقيت الميسر بديلا إجباريا عنه.
لذلك فإن وجود صيغة إضافية، منظمة وفق توقيت خاص وموجهة أساسا إلى أشخاص يحتاجون إلى هذه المرونة، لا يعني في حد ذاته التخلي عن مجانية المسار الجامعي العادي.
بل يمكن النظر إليه من زاوية أخرى باعتباره توسيعا لدائرة المستفيدين من الجامعة.
س: كيف يمكن أن يوسع التوقيت الميسر دائرة الاستفادة؟
العميد بالنيابة:
لأن هناك أشخاصا لديهم الرغبة والمؤهلات لمواصلة الدراسة، لكن التوقيت التقليدي يشكل بالنسبة إليهم عائقا فعليا.
الموظف مثلا لا يستطيع، من الناحية العملية، أن يوجد في مقر عمله وفي قاعة المحاضرات في اللحظة نفسها.
التوقيت الميسر يحاول تجاوز هذه الوضعية بتنظيم الدراسة خارج أوقات العمل، سواء بعد انتهاء التوقيت المهني اليومي أو خلال نهاية الأسبوع.
وهكذا يمكن الجمع بين أمرين أساسيين: المواظبة في العمل والانتظام في الدراسة.
س: هناك من يرى أن الموظف كان بإمكانه سابقا اللجوء إلى التكوين المستمر، فما الذي تغير؟
العميد بالنيابة:
التكوين المستمر لعب ولا يزال يلعب دورا مهما في تطوير الكفاءات المهنية. لكن ينبغي التمييز بينه وبين التكوين الأساسي المؤدي إلى شهادة وطنية.
في عدد من التجارب السابقة كان الموظف أو الأجير يؤدي رسوما ويتابع تكوينا ملائما لوضعيته المهنية، لكن الشهادة المحصل عليها في إطار التكوين المستمر لا تتمتع، لمجرد صدورها عن الجامعة، بالضرورة بصفة الشهادة الوطنية وآثارها.
لذلك فالقيمة المضافة للتوقيت الميسر تكمن في إمكانية الجمع بين مرونة الزمن والتكوين الأساسي المؤدي إلى شهادة وطنية عند استيفاء جميع الشروط المطلوبة.
س: ولماذا تمتد الرسوم إلى سلك الدكتوراه؟ فهناك من يعتبر أن الدكتوراه تقوم أساسا على إعداد الأطروحة ولا تحتاج إلى حضور منتظم؟
العميد بالنيابة:
هذا التصور لم يعد يعكس بصورة كاملة التنظيم البيداغوجي الحالي للدكتوراه.
الدكتوراه لم تعد تقتصر على علاقة بين الطالب والأستاذ المشرف وإعداد أطروحة إلى حين مناقشتها.
أصبح المسار يتضمن تكوينات ووحدات وأنشطة علمية إلزامية تستدعي التتبع والمشاركة والحضور بحسب طبيعة التكوين، فضلا عن الجهد الذي يبذله الأساتذة في التأطير العلمي.
وفي بعض التخصصات العلمية والتقنية تكون الحاجة إلى الحضور أكثر وضوحا بسبب العمل داخل المختبرات والمنصات البحثية.
لذلك ينبغي النظر إلى الدكتوراه باعتبارها مسارا للتكوين والبحث، وليس فقط عملية فردية لكتابة أطروحة.
س: مقابل ماذا تؤدى الرسوم إذن؟
العميد بالنيابة:
تنظيم تكوينات خارج الأوقات الجامعية المعتادة له تكلفة.
عندما تنظم المؤسسة دروسا بعد انتهاء التوقيت العادي أو خلال السبت والأحد، فهذا يعني تعبئة إضافية للأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، واستعمال القاعات والتجهيزات والخدمات الرقمية واللوجستيكية، وتنظيم الامتحانات والتأطير.
الطاقمان البيداغوجي والإداري يقدمان في هذه الحالة أعمالا إضافية خارج الأوقات المعتادة، وهو ما يستدعي توفير الموارد الضرورية لتنظيم هذه العملية في ظروف مناسبة.
كما أن الموارد المتأتية من هذه الصيغة يمكن، وفق القواعد المنظمة لاستعمالها، أن تساهم في تطوير قدرات المؤسسات وتجهيزاتها وتحسين ظروف التكوين.
س: وهل يمكن أن يساعد التوقيت الميسر الجامعة في مواجهة مشكلة الاكتظاظ؟
العميد بالنيابة:
بالتأكيد يمكن أن يكون أحد عناصر المعالجة.
الاكتظاظ لا يعالج بإجراء واحد، لأنه مرتبط بأعداد الطلبة والموارد البشرية والطاقة الاستيعابية والبنيات الجامعية.
لكن لدينا مورد مهم لا يحظى دائما بالاهتمام الكافي، وهو الزمن الجامعي.
عندما نحاول وضع جميع الطلبة وجميع التكوينات في الفترات الزمنية نفسها، نضاعف الضغط على القاعات والمدرجات والمختبرات.
أما توزيع التكوينات على فترات زمنية مختلفة فيسمح باستغلال أفضل للبنيات الموجودة وتخفيف الضغط خلال ساعات الذروة.
س: هل يمكن أن يؤدي ذلك أيضا إلى الحد من التنافس على المقاعد؟
العميد بالنيابة:
هذه إحدى النتائج الممكنة إذا أحسن تنظيم النظام.
عندما يلج الموظف أو الأجير المسار العادي، فإنه ينافس باقي المترشحين على المقاعد المحدودة في بعض التخصصات والأسلاك، رغم أن وضعيته تختلف عن وضعية طالب متفرغ للدراسة.
وجود مسارات منظمة في توقيت ميسر يمكن أن يساهم في توسيع العرض وتوزيع الطلب بصورة أفضل، بما يخدم الفئتين معا.
ومن هذه الزاوية، قد يكون التوقيت الميسر عاملا مساعدا على توسيع قاعدة المستفيدين من التعليم العالي وليس تضييقها.
س: هل نحن إذن أمام امتداد لفكرة التعلم مدى الحياة؟
العميد بالنيابة:
هذا أحد أهم أبعاد الموضوع.
لم تعد الجامعة فضاء يلجه الإنسان في بداية حياته ثم يغادره نهائيا بمجرد حصوله على وظيفة.
المعرفة تتطور بسرعة، والتكنولوجيا تتغير، وسوق الشغل نفسه يفرض اكتساب كفاءات جديدة باستمرار.
قد يعود حامل للإجازة بعد سنوات للحصول على الماستر، وقد يرغب حامل الماستر في إنجاز الدكتوراه، وقد يحتاج مهني إلى اكتساب معارف في الرقمنة أو الذكاء الاصطناعي أو المالية أو القانون أو غيرها من المجالات التي تغيرت بصورة كبيرة منذ تخرجه.
التعلم مدى الحياة أصبح جزءا من وظيفة الجامعة الحديثة، والتوقيت الميسر إحدى الآليات العملية لتنزيله.
س: وهل يمكن أن يطور ذلك علاقة الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي؟
العميد بالنيابة:
بالتأكيد.
وجود موظفين وأطر ومهنيين داخل الجامعة يخلق جسرا مباشرا بين المعرفة الأكاديمية والممارسة المهنية.
المهني يعود إلى الجامعة حاملا معه إشكالات واقعية من الإدارة أو المقاولة أو المؤسسة التي يعمل فيها، والجامعة توفر له أدوات علمية ومنهجية لتحليلها.
وهذا يمكن أن يطور التكوين المستمر وإعادة التأهيل وتطوير المهارات والبحث التطبيقي، ويعزز علاقة الجامعة بالمؤسسات العمومية والمقاولات ومختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
س: ما الضمانة حتى لا يتحول التوقيت الميسر إلى مجرد وسيلة للحصول على موارد مالية إضافية؟
العميد بالنيابة:
الضمانة الأساسية هي أن ننظر إليه باعتباره مشروعا بيداغوجيا وتنظيميا قبل أن يكون آلية مالية.
قيمته لا تقاس بحجم الرسوم المحصلة، وإنما بعدد الأشخاص الذين أتاح لهم العودة إلى الجامعة، وجودة التكوين الذي تلقوه، وقدرته على تخفيف الضغط على المؤسسات، ومدى مساهمته في تطوير الكفاءات والانفتاح على المجتمع.
كما ينبغي أن تكون هناك شفافية في التدبير وتقييم مستمر للتجربة، مع الحفاظ الصارم على متطلبات الشهادة الوطنية.
س: هل المرونة في التوقيت يمكن أن تعني مرونة في شروط النجاح والحصول على الشهادة؟
العميد بالنيابة:
لا. وهذه بالنسبة إلي مسألة أساسية.
ينبغي أن تكون المعادلة واضحة:
مرونة في التوقيت، وتنوع في أنماط التكوين، دون أي تراجع في الجودة.
التوقيت الميسر يعني تغيير زمن تقديم الخدمة الجامعية بما يتناسب مع وضعية المستفيد، ولا يعني تخفيض الحجم العلمي للتكوين أو التساهل في التقييم أو شروط الحصول على الشهادة.
إذا كانت الشهادة وطنية، فينبغي أن تحافظ على قيمتها ومتطلباتها الأكاديمية بصرف النظر عن الساعة أو اليوم الذي تلقى فيه الطالب دروسه.
س: وكيف تلخصون فلسفة التوقيت الميسر؟
العميد بالنيابة:
أراه جزءا من مشروع أوسع لتحديث الجامعة المغربية وجعلها أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والمهنية.
فالجامعة مطالبة بالحفاظ على وظيفتها الأساسية في ضمان الولوج إلى التعليم العالي، وفي الوقت نفسه عليها أن تنفتح على فئات جديدة وعلى مفهوم التعلم مدى الحياة.
والتوقيت الميسر يمكن أن يحقق مجموعة من الأهداف في آن واحد: تمكين المهني من التوفيق بين العمل والدراسة، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الجامعة، وتحسين استعمال القاعات والمدرجات والتجهيزات، وتخفيف جانب من الضغط المرتبط بالاكتظاظ، وتعزيز علاقة الجامعة بمحيطها المهني والاقتصادي.
لذلك فإن التمييز الذي ينبغي أن يظل واضحا هو بين مجانية التعليم العمومي من جهة، ومرونة تنظيم التكوين من جهة أخرى.
فالأمر يتعلق برسوم للتسجيل مقابل توقيت ميسر وملائم وليست رسوم للدراسة.
وفي تقديري، نجاح التجربة سيتوقف في النهاية على قدرتنا على تحقيق معادلة بسيطة في صياغتها، لكنها أساسية في مضمونها:
جامعة أكثر مرونة وانفتاحا، وشهادة وطنية تحافظ في الوقت نفسه على جودتها وقيمتها ومصداقيتها