بعد قرار أخنوش.. خبير صحّي يُعدّد فوائد إلغاء الساعة الإضافية

قبل أن يتحول النقاش مجددا حول الساعة القانونية إلى سجال سياسي وانتخابي، عاد المختصون في الصحة العامة إلى طرح الملف من زاوية مختلفة، تعتبر أن القضية لا ترتبط فقط بتنظيم الزمن الإداري أو ملاءمة المعاملات الاقتصادية، بل تمس بشكل مباشر صحة المواطنين وجودة حياتهم اليومية.

وفي هذا السياق، يرى الطبيب والباحث في السياسات والأنظمة الصحية الطيب حمضي أن النقاش حول اعتماد التوقيت القانوني ينبغي أن ينطلق أولا من تأثيراته على الإنسان، باعتبار أن أي تغيير في نظام التوقيت ينعكس على النوم واليقظة والتركيز والإنتاجية والسلامة الطرقية.

ويؤكد حمضي في تصريح توصلت به “بلبريس”، أن اختيار نظام التوقيت لا يقتصر على تحريك عقارب الساعة، بل يطال قطاعات متعددة تشمل الصحة والتعليم والنقل والاقتصاد والعمل الفلاحي والبيئة، مشيرا إلى أن التجارب الدولية تعتمد ثلاثة نماذج رئيسية، تتمثل في التوقيت القانوني المستقر، والتوقيت الصيفي الدائم، أو التغيير الموسمي بين التوقيتين مرتين في السنة.

وبحسب الباحث في السياسات الصحية، فإن المعطيات العلمية المتراكمة في مجال علم الأحياء الزمني والصحة العامة تشير إلى أن التوقيت الشتوي الدائم يعد الأكثر انسجاما مع الساعة البيولوجية للإنسان، لأنه يسمح بتقارب أكبر مع التوقيت الشمسي ويضمن التعرض الطبيعي لضوء الصباح، وهو عنصر أساسي لضبط وظائف الجسم الحيوية. أما التوقيت الصيفي الدائم، فرغم أنه يجنب اضطراب تغيير الساعة مرتين في السنة، فإنه يبقي الجسم في حالة فارق دائم مع الإيقاع الطبيعي للشمس، بينما يعتبر نظام التغيير الموسمي الأقل ملاءمة صحيا بسبب ما يفرضه من تكيف مفاجئ ينعكس سلبا على الجسم.

ويشرح حمضي أن جسم الإنسان يعمل وفق ساعة بيولوجية داخلية تمتد لحوالي أربع وعشرين ساعة مع فارق بسيط يتم تصحيحه يوميا بفضل التعرض لأشعة الشمس صباحا، وهو ما يساهم في تنظيم النوم واليقظة ودرجة حرارة الجسم والشهية والتركيز والحالة النفسية والإفرازات الهرمونية، خاصة هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، والذي يتأثر مباشرة بتعاقب الضوء والظلام.

ويحذر المتحدث من أن غياب الانسجام بين التوقيت الرسمي والتوقيت الشمسي يؤدي إلى اضطرابات صحية متعددة، أبرزها صعوبة الاستيقاظ وتأخر النوم وتراجع مدته والشعور بالإرهاق وضعف التركيز والانتباه، وهي آثار تظهر بشكل أوضح لدى الأطفال والمراهقين، بالنظر إلى طبيعة ساعتهم البيولوجية التي تدفعهم تلقائيا إلى النوم والاستيقاظ في وقت متأخر. ويضيف أن اضطرار التلاميذ إلى مغادرة منازلهم قبل شروق الشمس يزيد من عجز النوم، وهو ما ينعكس على مردودهم الدراسي وسلوكهم داخل الفصول الدراسية.

ولا تقتصر هذه التداعيات، وفق حمضي، على التلاميذ، بل تمتد أيضا إلى الموظفين والعمال والسائقين والفلاحين ومستخدمي وسائل النقل العمومي، إذ إن بدء الأنشطة اليومية في الظلام يضعف مستوى اليقظة ويرفع احتمالات وقوع حوادث السير وحوادث الشغل، مبرزا أن عددا من الدراسات الدولية سجل ارتفاعا في معدلات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والحوادث مباشرة بعد الانتقال إلى التوقيت الصيفي، معتبرا أن تغيير الساعة لا يشكل السبب الوحيد، لكنه قد يكون عاملا محفزا لدى الأشخاص الذين يعانون أصلا من الإرهاق أو اضطرابات النوم.

وفي المقابل، يقر الطبيب الباحث بأن للتوقيت الصيفي بعض الإيجابيات المرتبطة بتمديد ساعات الضوء في نهاية اليوم، بما ينعش الأنشطة التجارية والسياحية والترفيهية، غير أنه يشدد على أن المبرر التقليدي المتعلق بتوفير الطاقة لم يعد يحتفظ بالقوة نفسها، بعدما تغيرت أنماط الاستهلاك بشكل كبير مع انتشار مصابيح LED منخفضة الاستهلاك، في وقت أصبحت أجهزة التكييف والتدفئة والإلكترونيات ووسائل النقل تستحوذ على النصيب الأكبر من استهلاك الطاقة.

ويعتبر حمضي أن التجربة الأوروبية تعكس تعقيد هذا الملف، إذ رغم قرار الاتحاد الأوروبي منذ سنة 2019 إنهاء العمل بتغيير الساعة مرتين سنويا، فإن التنفيذ ظل معلقا بسبب اختلاف مواقف الدول بشأن اعتماد التوقيت الصيفي أو الشتوي بشكل دائم، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بالتنسيق بين الدول المجاورة، ما يؤكد أن المسألة تتداخل فيها اعتبارات صحية واقتصادية واجتماعية وجغرافية.

وانطلاقا من الخصوصية المغربية، يرى حمضي أن اعتماد التوقيت الشتوي بشكل دائم يبدو الخيار الأكثر انسجاما مع الواقع الوطني، بالنظر إلى أهمية الفئة المدرسية، وارتباط جزء كبير من الاقتصاد الوطني بالأنشطة الفلاحية والعمل الميداني والتنقلات الصباحية، فضلا عن اعتبارات السلامة الطرقية. ويؤكد أن تقريب التوقيت الرسمي من الإيقاع الطبيعي للشمس من شأنه أن يقلص من الاستيقاظ في الظلام، ويحسن جودة النوم، ويرفع مستوى اليقظة، ويحد من المخاطر اليومية التي تواجه التلاميذ والعمال ومستعملي وسائل النقل، مع إمكانية معالجة أي انعكاسات على المبادلات الاقتصادية الدولية عبر إجراءات تنظيمية ملائمة، بدل الإبقاء على نظام زمني يفرض، من وجهة نظره، كلفة صحية واجتماعية متواصلة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *