إسبانيا تحصن الثغور والجزر المغربية المحتلة.. مدريد تعزز وجودها العسكري

تكشف الاستثمارات العسكرية والأمنية الجديدة التي باشرت إسبانيا تنفيذها في عدد من الجزر والثغور المغربية المحتلة عن توجه يتجاوز مجرد تحسين ظروف إقامة القوات المنتشرة هناك، ليعكس حرص مدريد على ترسيخ حضورها الميداني وتعزيز جاهزية مواقعها الواقعة على مقربة من السواحل المغربية، في سياق إقليمي تتزايد فيه أهمية غرب البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق.

وتشمل هذه التحركات مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وجزر الحسيمة وصخرة بادس، وهي مواقع لا تزال مدريد تتعامل معها باعتبارها جزءا من ترابها، بينما يعتبرها المغرب أراضي محتلة ويؤكد حقه في استكمال وحدته الترابية. وفي هذا السياق، تكتسب عمليات تحديث البنيات التحتية وتجهيز المواقع العسكرية بأحدث وسائل الطاقة والمراقبة دلالة سياسية وأمنية، لأنها تعكس رغبة إسبانية في تثبيت الأمر الواقع ورفع كلفة أي تحول مستقبلي في وضع هذه المناطق.

وحسب المعطيات المتداولة في تقارير إعلامية إسبانية، باشرت وزارة الدفاع، بتنسيق مع شركة Tragsa، تنفيذ مشاريع تستهدف تحديث المنشآت وتحسين ظروف عمل وإقامة العسكريين، إلى جانب رفع قدرة هذه المواقع على العمل باستقلالية أكبر عن البر الإسباني. ويبرز ضمن هذه المشاريع اقتناء وتركيب تسعة مولدات كهربائية عالية القدرة، بكلفة تناهز 386 ألف يورو، موزعة بالتساوي بين الجزر الجعفرية وجزر الحسيمة وصخرة بادس، بمعدل ثلاثة مولدات لكل موقع، فضلا عن تجهيز الجزر الجعفرية بنظام للتحويل الآلي للطاقة لضمان استمرارية الإمدادات الكهربائية.

ولا تقف الاستثمارات عند حدود الكهرباء، بل تمتد إلى شبكات المياه والطاقة، بما يسمح برفع مستوى الاكتفاء الذاتي لهذه المواقع المعزولة وتقليص ارتباطها اللوجستي بالمرافق الموجودة في الأراضي الإسبانية. ومن منظور مغربي، فإن هذا الجانب يحمل أهمية خاصة، لأن مدريد لا تعمل فقط على الحفاظ على وجود عسكري في هذه المواقع، وإنما تسعى إلى جعل هذا الوجود أكثر استدامة وقدرة على مواجهة صعوبات الإمداد التي تفرضها طبيعة هذه الجزر والصخور وبعدها عن البر الإسباني.

وتتضح الأبعاد الاستراتيجية للتحرك الإسباني بشكل أكبر في جزيرة البوران، حيث خصصت السلطات الإسبانية نحو 6.5 ملايين يورو لتعزيز قدرات المراقبة وتحديث البنية التحتية العسكرية. ويشمل المشروع إنشاء مرافق جديدة للإقامة وتحسين منظومة التزود بالمياه وتركيب أجهزة استشعار حديثة لرفع قدرات الرصد في محيط الجزيرة، بما يعزز قدرة القوات الإسبانية على مراقبة المجال البحري المحيط بها.

ويعني ذلك أن مدريد تتجه نحو الانتقال من مجرد تأمين وجود رمزي في عدد من المواقع القريبة من السواحل المغربية إلى بناء منظومة أكثر تطورا للمراقبة والاتصال والإمداد. فالموقع الجغرافي لهذه المناطق يجعلها ذات قيمة بالنسبة إلى مراقبة الملاحة البحرية ورصد التحركات في غرب المتوسط ومحيط مضيق جبل طارق، كما يمنح إسبانيا نقاط ارتكاز متقدمة في منطقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والهجرة وحماية المنشآت والمصالح البحرية.

ويأتي ذلك بالتوازي مع مصادقة وزارة الدفاع الإسبانية على اتفاق إطار لتجديد وصيانة وسائل تقنية مخصصة للأمن في عدد كبير من القواعد العسكرية داخل إسبانيا وخارجها، بميزانية تتجاوز 28.4 مليون يورو، وهو ما يضع المشاريع الخاصة بالجزر والثغور المحتلة ضمن توجه أوسع لتحديث البنية الأمنية والعسكرية الإسبانية.

وبالنسبة إلى المغرب، لا يمكن فصل هذه التحركات عن استمرار الخلاف حول الوضع القانوني والسياسي لسبتة ومليلية والجزر المحتلة، خصوصا أن تعزيز البنية العسكرية والتكنولوجية فيها يأتي في وقت تعرف فيه العلاقات المغربية الإسبانية تحسنا ملحوظا على المستوى السياسي والاقتصادي. وهذا التناقض يبرز حدود التقارب بين البلدين، إذ يمكن أن تتقدم الشراكة في ملفات الهجرة والتجارة والأمن، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجع مدريد عن تمسكها بمواقع تعتبرها الرباط جزءا من أراضيها.

كما أن طبيعة المشاريع الجديدة، ولا سيما تجهيز المواقع بمولدات كهربائية وأنظمة تحويل آلي للطاقة ومنشآت للمياه وأجهزة استشعار، توحي بأن المقاربة الإسبانية لا ترتبط فقط بالاستجابة لمخاطر آنية، وإنما ببناء قدرة طويلة الأمد على تأمين وجود عسكري وإداري في هذه المناطق. ومن هذه الزاوية، فإن المسألة بالنسبة إلى المغرب لا تختزل في حجم الإنفاق الإسباني، وإنما في دلالة تحويل مواقع محتلة إلى منشآت أكثر تحصينا واستقلالية واستعدادا للعمل المستمر.

ويطرح هذا الواقع على الرباط تحديا دبلوماسيا وسياسيا يتمثل في الحفاظ على ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة ضمن أجندة العلاقات الثنائية، من دون السماح بتحويل التعاون المغربي الإسباني في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد إلى غطاء لتكريس واقع ميداني تعتبره المملكة غير نهائي. فالتحديث العسكري الإسباني لهذه المواقع يؤكد أن قضية الثغور والجزر المحتلة لا تزال حاضرة في الحسابات الاستراتيجية لمدريد، وأن تحسين ظروف الوجود فيها يتجاوز البعد التقني ليحمل رسالة واضحة مفادها أن إسبانيا تستعد للحفاظ على هذا الوجود وتعزيزه على المدى البعيد.

وبذلك، تبدو الاستثمارات الجديدة جزءا من سياسة إسبانية تقوم على الجمع بين التعاون مع المغرب في القضايا المشتركة وتعزيز الحضور الميداني في المناطق التي ما زالت تشكل إحدى أبرز نقاط الخلاف الترابي بين البلدين. وهو ما يجعل التعامل المغربي مع هذه التحركات محتاجا إلى مقاربة هادئة وحازمة في آن واحد، تقوم على عدم التفريط في الثوابت الترابية، مع الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون التي تسمح بإدارة الخلافات القائمة دون تحويلها إلى مصدر توتر دائم في العلاقات المغربية الإسبانية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *