قبل رمضان بـ40 يوما.. مسلمون يودعون الخمر استعدادًا للشهر الفضيل

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتكرر كل عام ظاهرة اجتماعية ودينية لافتة، تتمثل في إقدام عدد من المسلمين على التوقف عن شرب الخمر قبل حلول الشهر الفضيل بنحو أربعين يوما، في خطوة تعكس رغبة واضحة في الاستعداد المسبق لهذه المناسبة الدينية التي تحتل مكانة خاصة في الوجدان الإسلامي.

هذه الممارسة، التي لا تستند إلى نص ديني يحدد مدة زمنية بعينها قبل رمضان، تندرج في إطار التحضير النفسي والروحي للصيام، حيث يفضل بعض الأشخاص التدرج في تغيير نمط حياتهم، بدل الانتقال المفاجئ من سلوكيات اعتادوا عليها إلى الالتزام الكامل بمتطلبات الصيام والعبادة.

من الناحية الدينية، يؤكد علماء وفقهاء أن تحريم الخمر في الإسلام تحريم مطلق، لا يرتبط بزمن معين ولا يخفّف في غير رمضان، مشددين على أن التوبة الصادقة تكون بترك الذنب نهائيا دون ربطه بمناسبة موسمية. غير أن هؤلاء الفقهاء أنفسهم يرون في هذه الخطوة مؤشرا إيجابيا على صحوة ضمير ورغبة حقيقية في التقرب إلى الله، معتبرين أن “البداية قبل رمضان خير من التأجيل”، وأن الاستعداد المبكر قد يساعد على الثبات خلال الشهر الفضيل وبعده.

اجتماعيا، تعكس هذه الظاهرة تحولات ملموسة في علاقة الأفراد بالشهر الكريم، حيث لم يعد رمضان ينظر إليه فقط كشهر امتناع مؤقت عن الأكل والشرب، بل كمحطة سنوية لمراجعة الذات وتصحيح السلوكيات.

ويلاحظ متتبعون أن الضغط الاجتماعي الإيجابي، المتمثل في الجو العام للشهر الكريم، يدفع بعض الأشخاص إلى اتخاذ قرارات جريئة تتعلق بنمط حياتهم، حتى وإن بدأت بدافع الاستعداد لرمضان.

أما من الزاوية الصحية، فيجمع مختصون على أن التوقف عن شرب الكحول قبل فترة من الصيام يحمل فوائد عديدة، أبرزها تمكين الجسم من التخلص التدريجي من السموم، وتحسين وظائف الكبد والجهاز الهضمي، والحد من أعراض التعب والصداع التي قد ترافق الصيام لدى من اعتادوا على استهلاك الكحول، كما أن هذا التدرج يقلل من حدة الأعراض النفسية والجسدية الناتجة عن التوقف المفاجئ.

وفي الشارع، تتباين الآراء حول هذه العادة، فبين من يعتبرها خطوة إيجابية مهما كان توقيتها، ومن يرى أنها تكرّس منطق “الالتزام الموسمي” الذي ينتهي بانتهاء رمضان، غير أن مراقبين يرون أن الأهم ليس توقيت القرار، بل استمراريته، إذ يشكل رمضان في نظر كثيرين فرصة حقيقية لبداية جديدة قد تمتد آثارها إلى ما بعد الشهر الفضيل.

في المحصلة، يظل التوقف عن شرب الخمر قبل أربعين يوما من رمضان سلوكا فرديا يحمل دلالات متعددة، تتقاطع فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية والصحية، وبين من يجعله مجرد استعداد مؤقت، ومن يحوله إلى نقطة تحول دائمة، يبقى رمضان لحظة مفصلية تدفع الكثيرين إلى إعادة النظر في علاقتهم بأنفسهم وبقيمهم الروحية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *