أعادت بؤرتان عائليتان لداء الخناق «الدفتيريا» بجهة سوس ماسة هذا المرض النادر إلى واجهة النقاش الصحي في المغرب، بعد أكثر من ثلاثة عقود من شبه الغياب، في وقت باشرت السلطات الصحية تحريات وبائية وتتبعاً للمخالطين، بالتوازي مع التأكيد على ضرورة استدراك جرعات التلقيح غير المستكملة.
وأعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، يوم الاثنين 28 شتنبر، عن رصد البؤرتين بكل من عمالة أكادير إداوتنان وإقليم اشتوكة آيت باها، حيث تم تأكيد حالة واحدة مخبرياً، فيما تخضع ثماني حالات أخرى للتحري والتأكيد المخبري، من بينها حالتا وفاة. وأوضحت الوزارة أن المعطيات الأولية تشير إلى أن الأطفال المعنيين لم يسبق تلقيحهم ضد الداء أو لم يستكملوا الجرعات الموصى بها ضمن البرنامج الوطني للتلقيح.
وفور اكتشاف الحالات، جرى تفعيل بروتوكول الاستجابة الوبائية، من خلال التحقيق والبحث النشط عن حالات أخرى، وحصر المخالطين وتتبعهم، إلى جانب توفير العلاج الوقائي بالمضادات الحيوية والتلقيح وفق التدابير الصحية المعتمدة، في وقت دعت الوزارة الأسر إلى مراجعة دفاتر تلقيح الأطفال واستدراك الجرعات الناقصة.
وفي قراءة لهذه التطورات، اعتبر الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، أن ظهور بؤرتين عائليتين في المنطقة نفسها يكتسي أهمية صحية، باعتبار أن الأمر لا يتعلق بحالة معزولة فقط، وإنما يستدعي تكثيف التقصي الوبائي وتتبع المخالطين والتحقق من وضعيتهم التلقيحية.
وأوضح حمضي أن استمرار اختفاء الدفتيريا لسنوات طويلة لا يعني زوال العامل المسبب للمرض، مبرزاً أن التلقيح لعب دوراً أساسياً في إبقاء المرض تحت السيطرة. ويرى الباحث أن وجود فئات لم تستكمل جرعاتها يمكن أن يخلق جيوباً تفتقر إلى الحماية الكافية، بما يتيح للعدوى الظهور مجدداً عند توفر الظروف المناسبة.
وتعيد التطورات الحالية إلى الواجهة تجربة الحصبة بجهة سوس ماسة، التي شهدت خلال السنوات الماضية عودة قوية للمرض، وهو ما اعتبره حمضي مؤشراً على أهمية الحفاظ على مستويات مرتفعة من التغطية بالتلقيح، باعتبار أن تراجعها قد يفتح المجال أمام أمراض كانت نادرة أو شبه غائبة.
ويأتي ظهور الدفتيريا في المغرب في سياق دولي شهد خلال السنوات الأخيرة تسجيل عودة للمرض في عدد من البلدان، بالتزامن مع تحديات مرتبطة بالتغطية التلقيحية. وأشارت وزارة الصحة إلى أن التطورات الحالية تندرج ضمن سياق دولي يشهد عودة ظهور الدفتيريا في عدد من الدول.
والدفتيريا عدوى بكتيرية يمكن أن تنتقل أساساً عبر الرذاذ التنفسي والمخالطة القريبة، وقد تتسبب في مضاعفات خطيرة، وهو ما يجعل التشخيص المبكر والتكفل بالحالات وتتبع المخالطين عناصر أساسية في الحد من انتشارها.
وفي هذا السياق، شدد حمضي على أهمية التحرك السريع لتحديد المخالطين وإخضاعهم للتقييم الطبي، إلى جانب تنظيم حملات لاستدراك تلقيح الأطفال الذين لم يستفيدوا من الجرعات المقررة أو لم يستكملوها.
وفي المقابل، لا تشير المعطيات الرسمية المتاحة إلى وجود انتشار وطني واسع للمرض، إذ تتحدث وزارة الصحة عن بؤرتين عائليتين محدودتين، مع استمرار التحري والتأكيد المخبري للحالات المشتبه فيها. ويظل استكمال التلقيح واليقظة الوبائية، وفق الوزارة، من أبرز الوسائل المتاحة للوقاية والحد من عودة المرض.