بعد غياب منذ 1992.. الدفتيريا تعود إلى المغرب و11 إصابة مؤكدة

عاد مرض الدفتيريا إلى الواجهة الصحية في المغرب، بعد تسجيل إصابات مؤكدة خلال سنة 2026، في تطور أعاد إلى الواجهة مخاطر الأمراض المعدية التي يمكن الوقاية منها بالتلقيح. وأعلنت مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض تسجيل 11 حالة مؤكدة، من بينها حالة وفاة واحدة، في سياق استنفار صحي يستهدف تطويق البؤر الوبائية والحد من انتقال العدوى، بعدما غاب المرض عن التراب الوطني منذ سنة 1992.

 

وكشفت فتيحة سميحرو، المسؤولة بالمديرية التابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، خلال ندوة تفاعلية نظمت الأربعاء 7 أكتوبر، عن تفاصيل المخطط الوطني للمراقبة والتصدي للدفتيريا، موضحة أن التحرك الحالي يستند إلى تعزيز اليقظة الوبائية، وتسريع التشخيص، وتوحيد إجراءات التكفل بالحالات المشتبه فيها والمخالطين.

 

وأوضحت المسؤولة الصحية أن الدفتيريا عدوى بكتيرية حادة وشديدة الانتقال، يتراوح معدل التوالد الأساسي لها بين 6 و7 حالات لكل مصاب، فيما تتراوح نسبة الإماتة بين 5 و10 في المائة. وترتبط الإصابة أساسا ببكتيريا الوتدية الخناقية، إلى جانب سلالات أخرى من الوتديات، ما يجعل المرض ضمن الأمراض الخاضعة للتصريح الإجباري والمشمولة بالبرنامج الوطني للتلقيح.

 

ورغم نجاح التلقيح في الحد من انتشار المرض على مدى عقود، فإن عودة الإصابات تطرح تساؤلات بشأن الثغرات المحتملة في التغطية التلقيحية، خصوصا في ظل ما وصفته المسؤولة بتنامي التردد في أخذ اللقاحات. ويتزامن ذلك مع تسجيل إصابات في عدد من بلدان المنطقة، من بينها موريتانيا والسنغال ومالي، وهو ما يعزز أهمية اليقظة الصحية والتنسيق في مواجهة الأمراض المعدية العابرة للحدود.

 

وشهد المغرب منذ بداية سنة 2026 تطورات وبائية متتالية، بدأت برصد بؤرتين؛ سجلت الأولى ثلاث حالات مؤكدة انتهت إحداها بالوفاة، فيما ارتبطت الثانية بحالة واحدة انتهت بدورها بالوفاة. وأعقب ذلك تسجيل حالتين متفرقتين، إحداهما وافدة، قبل ظهور الموجة الحالية التي أحصت، وفق المعطيات المقدمة خلال الندوة، 11 إصابة مؤكدة وحالة وفاة واحدة.

 

وفي أعقاب الإنذار المسجل خلال فبراير الماضي، جرى اعتماد دليل للمساطر يهدف إلى توحيد إجراءات الرصد والتدخل، وتحديد المسؤوليات بين مختلف مستويات المنظومة الصحية. وترتكز الخطة على الكشف المبكر عن الحالات المشتبه فيها، وتسريع التأكيد المخبري، والتحقق من قدرة البكتيريا على إنتاج السموم، فضلا عن دراسة مقاومتها للمضادات الحيوية.

 

وتشمل الأهداف كذلك تحديد مصادر العدوى ومسارات انتقالها، ورصد المناطق والفئات الأكثر عرضة للخطر، وتتبع تطور المنحنى الوبائي، وتقييم مدى نجاعة التدابير الوقائية المعتمدة.

 

ويحدد الدليل الحالة المشتبه فيها بوجود إصابة في المسالك التنفسية العلوية، مثل التهاب البلعوم أو الأنف أو الحنجرة، مصحوبة بغشاء كاذب ملتصق يتميز بسماكته ولونه الرمادي وصعوبة نزعه، أو بتعفن أنفي حلقي يترافق مع تدهور واضح في الحالة العامة واحتمال ظهور مضاعفات.

 

وتصبح الحالة محتملة عند وجود ارتباط وبائي بحالة مؤكدة، أو عندما تشير الفحوصات المباشرة إلى وجود عصيات موجبة الغرام، بينما يتطلب التأكيد النهائي إجراء فحوص مخبرية باستخدام تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) أو الزراعة الجرثومية.

 

ويفرض البروتوكول الصحي عزل كل حالة مشتبه فيها، مع إلزام المصاب بارتداء كمامة جراحية وإشعار وحدات اليقظة الإقليمية على الفور، تفاديا لأي تأخير في التدخل. وتتولى فرق الاستجابة السريعة التحقق من المعطيات الأولية، قبل إحالتها إلى المصلحة الوطنية للرصد الوبائي، التي تمنح الحالة رمزا خاصا لتتبعها خلال مختلف مراحل التكفل.

 

كما ينص البروتوكول على الاستشفاء والعزل للحالات المشتبه فيها وفق التدابير المعتمدة، مع أخذ العينات وتوجيهها إلى المختبرات المختصة بتنسيق مركزي، بالتوازي مع إجراء تحقيق ميداني لتحديد مصدر العدوى والأشخاص الذين خالطوا المصاب. ولا ينتظر التكفل الطبي بالضرورة صدور النتائج النهائية، إذ تتيح المؤشرات المخبرية الأولية للفرق الصحية الاستعداد للتدخل، فيما تجمع المعطيات ضمن منصة رقمية وطنية لدعم القرارات وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر.

 

وفي ما يتعلق بتطويق انتشار المرض، قدم معاد المرابط، منسق المركز الوطني لعمليات طوارئ الصحة العامة بمديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض، التدابير المتعلقة بتدبير المخالطين، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لقطع سلاسل العدوى.

 

وأوضح المرابط أن مواجهة التفشي تستند إلى التعامل مع حلقات السلسلة الوبائية الثلاث، المتمثلة في العامل الممرض ومصدره، وطرق انتقاله، والشخص القابل للإصابة. وبينما يستهدف علاج المصابين الحد من استمرار العدوى، يركز تدبير المخالطين على اكتشاف الإصابات المحتملة مبكرا ومنع انتقال البكتيريا إلى أشخاص آخرين.

 

ويشمل تعريف المخالط كل شخص تعرض لاحتكاك وثيق بمريض خلال فترة نقل العدوى، سواء تعلق الأمر بأفراد الأسرة، أو زملاء العمل والدراسة، أو الزوار والمسافرين المرافقين، فضلا عن العاملين في القطاع الصحي الذين قدموا الرعاية دون الالتزام الكامل بإجراءات الوقاية ومكافحة العدوى.

 

ووفق المعطيات المقدمة خلال الندوة، يمكن أن تستمر فترة نقل العدوى من أسبوعين إلى ستة أسابيع في غياب العلاج، فيما تتراجع احتمالات الانتقال بشكل كبير بعد 48 ساعة من استعمال مضاد حيوي فعال بحسب منظمة الصحة العالمية، مقابل أربعة أيام وفق المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها. كما يمكن لبعض حاملي البكتيريا نقلها دون ظهور أعراض واضحة عليهم.

 

وأكد المرابط أن الشكل التنفسي هو السائد حاليا في المغرب، موضحا أن انتقال المرض دون أعراض يرتبط غالبا بمناطق التوطن الوبائي المرتفع، وهو وضع قال إنه لا ينطبق على المملكة.

 

ويخضع المخالطون لتقييم أولي، يتحول بموجبه أي شخص تظهر عليه أعراض متوافقة مع المرض إلى حالة مشتبه فيها، فيما يصنف الآخرون بحسب مستوى تعرضهم للعدوى إلى ثلاث فئات. وتشمل الخطورة المرتفعة الأشخاص الذين تعرضوا مباشرة للإفرازات التنفسية أو خالطوا المصاب وجها لوجه لفترة طويلة، إضافة إلى المهنيين الصحيين الذين لم يستفيدوا من الحماية الكاملة.

 

أما الخطورة المتوسطة فتشمل حالات التقارب الجسدي دون تماس مباشر مع الإفرازات، كما هو الحال في الفصول الدراسية والمكاتب المشتركة، إلى جانب العاملين الصحيين الذين يتعرضون لمخالطة متكررة رغم توفر وسائل الحماية. في المقابل، ترتبط الخطورة المنخفضة باللقاءات العابرة والقصيرة، مثل الالتقاء بمصاب في ممر أو الوجود في المبنى نفسه دون مخالطة مباشرة.

 

وتقوم التدابير الموجهة للمخالطين على أربعة محاور، تشمل العلاج الوقائي بالمضادات الحيوية، والتلقيح، والمراقبة الصحية المنتظمة، إلى جانب العزل والحد من التنقل عند الضرورة خلال فترة الحضانة.

 

ويستفيد أصحاب الخطورة المرتفعة من العلاج الوقائي بالمضادات الحيوية، بينما يخضع استخدامه لدى الفئة متوسطة الخطورة لتقييم الحالة، في حين لا يوصى به عادة لأصحاب الخطورة المنخفضة، تجنبا للاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية. وأظهرت اختبارات مقاومة الأدوية، وفق المعطيات المعروضة، مقاومة السلالة الحالية للأمبيسيلين والبنسلين «جي»، ما يبرز أهمية اعتماد العلاج المناسب بناء على التقييم الطبي والنتائج المخبرية.

 

وتوصي السلطات الصحية بتلقيح المخالطين وفق الجدول المعتمد، بمن فيهم أصحاب الخطورة المنخفضة، مع عزل المخالطين ذوي الخطورة المرتفعة إلى حين انقضاء أقصى مدة للحضانة، بحسب التدابير المقررة. كما أشار المرابط إلى إمكانية توسيع القيود الوقائية إذا استدعت تطورات البؤر الحالية ذلك.

 

وتعتمد خطة الاستجابة مقاربة تدريجية تبدأ بالتكفل بالحالات وعزل البؤر المحدودة، ثم ترتيب الأولويات عند اتساع نطاق الإصابات، وصولا إلى استجابة جماعية أوسع إذا تطور الوضع إلى تفش مجتمعي كبير.

 

وعلى مستوى التلقيح، استعرض محمد بنعزوز، المسؤول عن البرنامج الوطني للتمنيع ورئيس مصلحة حماية صحة الطفل بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، التدابير الموجهة للمخالطين، والتي تعتمد على ثلاثة أنواع من اللقاحات: اللقاح الخماسي الذي يوفر الحماية ضد الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي والتهاب الكبد الفيروسي «ب» والمستدمية النزلية، واللقاح الثلاثي «DTC»، واللقاح الثنائي «Td» المضاد للكزاز والدفتيريا.

 

وتقوم الاستراتيجية التلقيحية على مراجعة الفترة المعتمدة للحماية في السياق الوبائي، من خلال تقليص المدة المرتبطة بجرعة التذكير من عشر سنوات إلى خمس سنوات، مع الحفاظ على الجرعات السابقة الصحيحة وعدم إعادة التلقيح من البداية لمجرد التأخر عن المواعيد، والرجوع إلى معايير البرنامج الوطني للتمنيع لتحديد الوضع التلقيحي لكل شخص.

 

وبالنسبة إلى الأشخاص الذين لم يتلقوا أي جرعة أو لا يعرفون وضعهم التلقيحي، ينص البروتوكول على إعطائهم جرعة فورية، ثم استكمال الجدول لاحقا بحسب السن ونوع اللقاح. ويستعمل اللقاح الثلاثي أو الخماسي أو السداسي للأطفال دون السابعة، فيما يعتمد لقاح «Td» لمن بلغوا السابعة فما فوق، مع فاصل شهر بين الجرعتين الأولى والثانية وستة أشهر قبل الجرعة الثالثة.

 

أما الأشخاص الذين لم يستكملوا التمنيع الأولي وتلقوا أقل من ثلاث جرعات، فيستفيدون من جرعة إضافية عند أول اتصال طبي، قبل استكمال المسار التلقيحي وفق الفواصل الزمنية المحددة. ويشمل ذلك احترام السن المسموح به لكل نوع من اللقاحات، مع برمجة الجرعة الثالثة بعد ستة أشهر على الأقل من الثانية.

 

وبالنسبة إلى من استكملوا التلقيح الأولي، يحدد تاريخ آخر جرعة الحاجة إلى جرعة تذكير من عدمها؛ إذ يحصل الأطفال دون السابعة على جرعة من اللقاح الثلاثي إذا تجاوزت المدة منذ آخر جرعة خمس سنوات، بينما يتلقى من بلغوا السابعة فما فوق لقاح «Td» عند استيفاء الشرط نفسه. ويعتبر الأشخاص الذين تلقوا آخر جرعة قبل أقل من خمس سنوات محميين وفق المعايير المعتمدة، مع ضرورة استدراك جرعات التذكير المقررة للأطفال بين 18 شهرا وخمس سنوات.

 

وفي ختام عرضه، نبه بنعزوز إلى ضرورة تفادي أخطاء قد تؤثر في فعالية الاستدراك التلقيحي، مؤكدا أن التأخر في المواعيد لا يلغي الجرعات السابقة الصحيحة، وأن اختيار اللقاح يجب أن يراعي سن المستفيد، مع الحرص على عدم إغفال جرعات التذكير خلال الحملات الصحية.

 

وشدد المسؤول على احترام قواعد الممارسة التلقيحية السليمة، بدءا من التحضير المسبق وضمان جودة الحقن، مرورا بمراقبة سلسلة التبريد، وانتهاء بالتخلص الآمن من النفايات الطبية وتتبع الآثار الجانبية المحتملة.

 

وتعيد هذه التطورات التأكيد على أهمية استكمال التلقيح، والتعرف المبكر على الأعراض، والإبلاغ السريع عن الحالات المشتبه فيها، باعتبارها إجراءات أساسية للحد من انتشار الدفتيريا وحماية الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *