ابراهيم سدرة يكتب…تصورات بخصوص الدكتوراة والبحث العلمي بالمغرب

بعد كثافة النقاش والمواقف المختلفة المعبر عنها طيلة الأسابيع الماضية، بخصوص موضوع التوقيت الميسر لتكوينات التعليم العالي، لازال الموضوع يكتسي اهمية تستوجب وقفات تأمل من اجل مزيد من التوضيح وتوحيد الرؤى.

من الأفيد، عند مناقشة مستقبل الدكتوراه والبحث العلمي ببلادنا، ان نخرج من رتابة النقاش الظرفي حول الرسوم والتوقيت الميسر، وأن نضع المسألة في سياقها الاستراتيجي الأوسع. فالمعطيات التي سبق أن قدمها وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار قبل سنة ونيف، السيد عز الدين الميداوي، حول عدد المسجلين في سلك الدكتوراه، والمقارنة بين العدد الحالي والسقف المستهدف، تطرح سؤالا أكبر من مجرد عدد المقاعد أو كيفية تنظيم التسجيل؛ إنها تطرح بعمق سؤال مكانة البحث العلمي في مشروع الجامعة المغربية وفي التنمية الوطنية.

فإذا كان عدد المسجلين بسلك الدكتوراه، وهو اليوم حوالي 40 الف، لا يزال بعيدا عن السقف الذي تستهدفه الوزارة وهو بين 150 الى 200 الف طالب، فإن المطلوب ليس فقط البحث عن أسباب هذا الفارق، وإنما التفكير في الآليات التي تمكن الجامعات من الانتقال من الوضع الحالي إلى مستوى أكثر طموحا، دون التضحية بجودة التكوين أو قيمة البحث العلمي.

علما ان نسبة 200 الف طالب دكتوراه المستشرفة هي من صميم ما تمليه المعايير الدولية وشرط العتبة الحرجة التي تحقق وقعا مهما للبحث العلمي لصالح بلدنا معرفيا، مجتمعيا واقتصاديا.

جوهر النقاش اليوم يتطلب اقتراح حلول وتصورات عملية تحرص من جهة على حفظ هيبة القوانين الجاري بها العمل وتمكن من جهة أخرى جامعاتنا العمومية من التوجه بهدوء وعزيمة نحو المعايير الدولية.

المؤشر الايجابي في هذا الاتجاه، حسب تصورنا، هو ان سقف 200 الف باحث في الدكتوراه والذي رسمته استراتيجية الوزارة دعوة صريحة للجامعات ولهياكلها وأيضا لمختلف الشركاء بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي من اجل مسايرة هذه التطلعات بما يمكن بلدنا من بلوغ عتبة الفاعلية المعرفية والتنموية بالبحث العلمي والابتكار.

غير انه وجب التوضيح ان التوجه الاستراتيجي نحو رفع سقف المسجلين بالدكتورة مقرون ضمنيا بجودة البحث والباحثين. فلا معنى لاعداد هائلة من المسجلين بسلك الدكتوراه لا تواكبها نجاعة او مردودية علمية وإشعاعية تساير هذا التطور.

في اطار مقاربة الحلول، بخصوص الموضوع الذي اسال مداد الاقلام مؤخرا والمتعلق بالخصوص برسوم متابعة الدراسات العليا بالنسبة لفئات الطلبة غير المتغرغين. حسب تصوري، لن تطرح هذه الرسوم في الدكتوراة اي اشكال اذا توفرت بعض الشروط من قبيل:

– اعتماد مجالس المؤسسات والجامعات في إطار ما تمارسه من استقلالية لمقاربات تحفيزية بمعايير موحدة وواضحة تشمل دعم المشاركة في الندوات واللقاءات العلمية و المقالات والمنشورات المصنفة. هذا الاجراء مهم كونه سيخفف على كل الطلبة الباحثين بالخصوص تكاليف النشر والأنشطة العلمية المرتبطة بالدكتوراة.

– الطلبة المسجلين في الدكتوراة، كيفما كانت فئتهم، معنيون بدون تمييز بمردودية بحثية في مستوى معايير الجودة المحددة ومعنيون ايضا بنفس مستوى النحفيزات المشروطة بالجودة.
– من منظور التوازن، الجامعة لا تكتفي بتسجيل الباحث في سلك الدكتوراة، والباحث لا يكتفي بالتسجيل؛ وإنما يصبح الطرفان عبر الاستاذ الباحث المشرف شريكين متوازنين في اعداد مشروع بحث علمي موجه للاجابة على اشكاليات قبلية، ذات وقع معرفي تنموي. ويتجلى التوازن تحديدا في التناسب بين مردودية البحث العلمي في الدكتوراة و مستوى تدابير الدعم والتحفيز التي ستتخدها الجامعات وهياكلها في اطار اختصاصاتها وبذلك تتحول الدكتوراه من مسار للحصول على شهادة إلى مسار لإنتاج قيمة علمية وتنمويةحقيقية.

– وجب النظر إلى الطلبة الموظفين والأجراء والمهنيين من منظور البحث العلمي كرأسمال متراكم بخبرات وتجارب يمكن أن تتحول، إذا أدمجت في مشاريع بحثية جادة، إلى قيمة مضافة للبحث العلمي، خصوصا في المجالات التطبيقية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والقانونية وغيرها.

– يمكن للتوقيت الميسر أن يكون أداة من أدوات توسيع قاعدة الباحثين، شريطة أن يبقى خاضعا للمعايير الأكاديمية نفسها، وأن يكون الولوج إليه مبنيا على الاستحقاق، وأن تكون جودة البحث والتقييم موحدة في جوهرها، وألا تتحول الوضعية المهنية للطالب إلى امتياز أكاديمي.

يستنتج ان بلوغ السقف المستهدف في الدكتوراه لا ينبغي أن يُفهم كانه مجرد زيادة رقمية في نسبة التسجيل، بل باعتباره ورشا استراتيجيا متكاملا يستدعي رفع القدرة على التأطير، ومراجعة أنماط تسقيفه، وتقوية بنية المختبرات، وتحفيز النشر العلمي، ودعم المشاركة العلمية، وربط التحفيز بالجودة، وإدماج الكفاءات المهنية في منظومة البحث، مع الحفاظ الصارم على كل شروط الجودة والاستحقاق الأكاديمي تماشيا مع المشروع التطويري للوزارة في هذا السياق.

وفق هذا التوجه، يمكن أن تتحول التطلعات إلى واقع حقيقي، وأن لا تصبح الدكتوراه فقط مجرد مرحلة للحصول على شهادة أكاديمية عليا، وإنما رافعة وطنية لإنتاج المعرفة وبناء الكفاءات والمساهمة بتوفير أجوبة تنموية لمغرب اليوم والغد.

الأستاذ مولاي ابراهيم سدرة
مدير المدرسة العليا للأساتذة بمكناس
.

المقالات المرتبطة

لايوجد أي محتوى متوفر

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *