يصعب على من يزور الداخلة هذه الأيام ألا ينتبه إلى حجم التغيير الذي تعرفه المدينة. أوراش في أكثر من اتجاه، طرق وتجهيزات تتغير، ومشاريع بدأت تعيد رسم جزء من المشهد الحضري والاقتصادي. لكن الأهم من كل ذلك أن الداخلة لم تعد تتعامل فقط مع حاجيات مدينة في طور النمو، وإنما بدأت تبحث عن وظيفة أكبر داخل محيطها الجهوي، وعن موقع اقتصادي يتناسب مع المؤهلات التي تتوفر عليها.
وهذا التحول لا يمكن اختزاله في لائحة المشاريع المنجزة أو في حجم الأموال التي تم استثمارها. فالمسألة أعمق من ذلك. ما يجري هو محاولة للانتقال من منطق سد الخصاص في التجهيزات إلى بناء شروط اقتصاد محلي قادر على إنتاج الثروة واستقطاب الاستثمار وخلق فرص جديدة للسكان.
وفي هذا المسار، يحضر ينجا الخطاط، رئيس جهة الداخلة وادي الذهب، كأحد الوجوه التي واكبت هذه الدينامية على المستوى الجهوي. فالرجل اختار، إلى حد كبير، أسلوباً يقوم على الحضور الميداني والعمل المتدرج، بعيداً عن الكثير من الضجيج الذي يرافق عادة العمل السياسي المحلي. ولعل هذا ما يفسر وصفه بـ«القوة الهادئة»، خصوصاً أن جزءاً من حضوره يرتبط بتتبع الأوراش والترافع عن المشاريع أكثر مما يرتبط بالخطاب السياسي الصاخب.
لكن شخصية المسؤول، مهما كان حضورها، لا تفسر وحدها التحول الذي تعرفه الداخلة. فهناك مؤهلات موضوعية جعلت المدينة محط اهتمام متزايد. موقعها الجغرافي، البحر، الصيد، السياحة، والفلاحة والطاقات المتجددة، كلها إمكانات يمكن أن تمنحها مكانة اقتصادية مهمة. المشكلة ليست في وجود هذه المؤهلات، وإنما في كيفية تحويلها إلى نشاط اقتصادي مستقر يعود جزء مهم من مردوده على المدينة والجهة.
وهنا بالضبط يبدأ الاختبار الحقيقي.
فالبنية التحتية ضرورية، لكنها ليست غاية في حد ذاتها. الطريق الجيد والميناء والتجهيزات والخدمات تفتح الطريق أمام الاستثمار، لكنها لا تضمن وحدها خلق اقتصاد قوي. المطلوب هو أن تصبح هذه البنية قاعدة لأنشطة منتجة، وأن يجد المستثمر المجال المناسب، وأن تجد المقاولة المحلية موقعها، وأن يجد الشاب فرصة حقيقية للعمل والتكوين.
وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن المرحلة السابقة. فالداخلة تحتاج إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، لا يعتمد فقط على القطاعات التقليدية. السياحة يمكن أن تكون رافعة مهمة، وكذلك الفلاحة والطاقات المتجددة والأنشطة البحرية والخدمات المرتبطة بها. لكن نجاح هذه القطاعات سيبقى مرتبطاً بوجود تكامل بينها وبين التكوين والبحث عن المهارات وحاجيات سوق الشغل.
فالمدينة يمكن أن تستقطب استثمارات ضخمة، لكن السؤال سيظل دائماً: ماذا يبقى منها داخل الاقتصاد المحلي؟
هذا السؤال ليس تفصيلاً. إنه جوهر التنمية نفسها. لأن المشروع التنموي لا ينجح فقط عندما ينجز في وقته أو عندما يكون كبيراً من حيث الكلفة، وإنما عندما يبدأ في إنتاج آثار يمكن للسكان ملاحظتها في حياتهم اليومية. فرص شغل أكثر، خدمات أفضل، مقاولات محلية أقوى، وشباب يجدون مكاناً لهم في الاقتصاد الجديد الذي يتشكل.
ومن هنا تأتي أهمية التنمية البشرية. فالداخلة لا تحتاج فقط إلى مدينة أكثر تجهيزاً، بل إلى سكان أكثر استفادة من هذا التحول. وكلما اتسعت الهوة بين حجم المشاريع وبين استفادة المجتمع المحلي منها، أصبح من الصعب الحديث عن تنمية متوازنة مهما كانت الأرقام المسجلة.
ثم هناك مسألة أخرى ستصبح أكثر إلحاحاً مع استمرار التوسع: كيف تنمو المدينة دون أن تفقد توازنها؟
الداخلة توجد في مجال بيئي حساس، ولذلك فإن التوسع العمراني والاقتصادي يحتاج إلى تخطيط طويل النفس. فالنمو السريع يمكن أن يخلق ضغطاً على الماء والخدمات والمرافق وعلى المجال الساحلي. والاستدامة هنا ليست شعاراً بيئياً، بل شرط أساسي لاستمرار الجاذبية الاقتصادية للمدينة نفسها.
كما أن نجاح الداخلة لا ينبغي أن يقاس بما يحدث داخل المدينة وحدها. فإذا كانت الداخلة تريد أن تصبح قطباً جهوياً، فعليها أن تكون مرتبطة اقتصادياً ومجالياً بباقي أقاليم الجهة. فالمدينة القوية ليست التي تستقطب كل شيء إليها، وإنما التي تستطيع أن تخلق حولها شبكة من الأنشطة والعلاقات الاقتصادية التي يستفيد منها محيطها أيضاً.
وهذا يقود إلى الحكامة، وهي ربما الحلقة التي ستحدد جزءاً كبيراً من نجاح المرحلة المقبلة. كثرة المشاريع وتعدد المتدخلين يتطلبان تنسيقاً أكبر، وتحديداً واضحاً للأولويات، ومتابعة حقيقية للنتائج. وفي مرحلة معينة، لن يكون السؤال الأهم هو كم مشروعاً تم إنجازه، بل ماذا أنتجت هذه المشاريع فعلياً؟
كم فرصة شغل خلقت؟ كم مقاولة محلية استفادت؟ ما حجم القيمة المضافة التي بقيت داخل الجهة؟ وهل تحسنت حياة السكان بالمستوى نفسه الذي تغيرت به صورة المدينة؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد، في النهاية، ما إذا كانت الداخلة أمام تحول تنموي عابر أم أمام بناء نموذج اقتصادي جديد.
ولهذا سيكون من السابق لأوانه التعامل مع الداخلة باعتبارها نموذجاً مكتملاً. النموذج التنموي لا تصنعه الصور الجميلة للأوراش، ولا حجم الاستثمارات وحده. يحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجه الحقيقية، ويحتاج قبل ذلك إلى اقتصاد قادر على الاستمرار بعد انتهاء مرحلة البناء والتجهيز.
الداخلة اليوم في وضعية مختلفة عن السابق. لديها مؤهلات، واستثمارات، وأوراش، وموقع جغرافي يمنحها فرصاً كبيرة. لكن الفرصة لا تتحول تلقائياً إلى نجاح. النجاح يبدأ عندما تستطيع المدينة أن تحول هذه العناصر مجتمعة إلى اقتصاد منتج، وإلى فرص حقيقية للسكان، وإلى تنمية تحافظ في الوقت نفسه على المجال والبيئة.
وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لما يجري في الداخلة: ليس في كثرة المشاريع وحدها، وإنما في السؤال الذي تطرحه هذه المشاريع عن مستقبل المدينة. هل ستبقى الداخلة مدينة تستفيد من برامج تنموية متتالية، أم ستنجح في بناء وظيفة اقتصادية خاصة بها تجعل منها أحد الأقطاب الأساسية في الأقاليم الجنوبية؟
الجواب لن تقدمه الأوراش وحدها. ستقدمه السنوات المقبلة، عندما يتحول ما يُبنى اليوم إلى اقتصاد قائم، وفرص شغل دائمة، ومقاولات أقوى، وخدمات أفضل، وحياة أكثر استقراراً للسكان. عندها فقط يمكن القول إن الداخلة لم تعد مجرد مدينة تعرف تحولاً عمرانياً، وإنما أصبحت تجربة تنموية لها ما يبرر دراستها على المستوى الوطني.
انها الرؤيا الملكية التي يعمل ينجا الخطاط رئيس الجهة على إنجازها على أرض الواقع.