لم تعد القطيعة الدبلوماسية التي أعلنتها الجزائر، الخميس 10 شتنبر 2026، مع دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد تطور ثنائي بين بلدين، بعدما كشفت عن عمق التباينات التي تراكمت بينهما خلال السنوات الأخيرة. وبينما اكتفت الجزائر بالحديث عن «تصرفات استفزازية أو عدائية» دون تحديد واقعة بعينها، فإن طبيعة الملفات التي تجمع البلدين بخلافات متزايدة تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول خلفيات هذا القرار.
ومن بين أبرز الأسئلة التي تفرض نفسها في هذا السياق: هل الصحراء المغربية طرف في الخلاف الجزائري الإماراتي؟
لا يبدو من المعطيات المعلنة أن الجزائر اعتبرت قضية الصحراء سبباً مباشراً للقطيعة، كما أن بيانها الرسمي لم يربط القرار بهذا الملف. غير أن مراقبين ومحللين يرون أن قضية الصحراء تشكل أحد أبرز عناصر التباعد الاستراتيجي بين الجزائر وأبوظبي، بالنظر إلى اختلاف مواقف البلدين بشكل واضح من مستقبل الإقليم المتنازع عليه.
فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو ومطلبها بإقامة دولة مستقلة، في حين اتخذت الإمارات موقفاً داعماً للمغرب في قضية الصحراء، وهو ما يجعل البلدين يقفان على طرفي نقيض في واحد من أكثر الملفات حساسية في منطقة المغرب العربي.
وتعود إحدى أبرز المحطات التي عكست الموقف الإماراتي إلى نونبر 2020، عندما افتتحت أبوظبي قنصلية عامة لها بمدينة العيون، في خطوة شكلت مؤشراً قوياً على طبيعة موقفها من قضية الصحراء.
ولم تكن هذه الخطوة معزولة عن مسار أوسع في العلاقات المغربية الإماراتية، إذ تطورت العلاقات بين الرباط وأبوظبي إلى شراكة استراتيجية واقتصادية واسعة، وهو ما جعل الإمارات من بين أبرز الدول العربية التي عززت حضورها ومصالحها في المغرب.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية أكبر في ظل كون المغرب والجزائر طرفين متباعدين أصلاً بشأن قضية الصحراء، بينما أصبحت الإمارات حليفاً سياسياً واقتصادياً مهماً للرباط.
ويرى مراقبون أن هذا التقارب يجعل الموقف الإماراتي من الصحراء جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، خصوصاً أن أبوظبي لا تكتفي بإعلان مواقف سياسية، وإنما وسعت حضورها الاقتصادي والاستثماري في المغرب والمنطقة.
ورغم ذلك، يحذر محللون من اختزال القطيعة الجزائرية الإماراتية في قضية الصحراء وحدها. فالبيان الجزائري الذي أعلن القطيعة لم يقدم سبباً مباشراً ومحدداً، وإنما تحدث عن تراكم «تصرفات استفزازية أو عدائية»، وعن استنفاد الوسائل التي كان من شأنها الحفاظ على العلاقات الثنائية.
كما أن القطيعة جاءت بعد أشهر من مؤشرات على تدهور العلاقات، من بينها شروع الجزائر في فبراير الماضي في إجراءات إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة بين البلدين سنة 2013، وهي خطوة تؤكد أن مسار التوتر كان سابقاً لقرار القطيعة.
وتشير هذه التطورات إلى أن الخلاف بين البلدين يمتد إلى ملفات متعددة، وأن قضية الصحراء قد تكون جزءاً من الصورة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير قرار بهذا الحجم.
ويرى مراقبون أن القضية الأهم تتمثل في طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد الخلافات بين الدول مرتبطة بملف واحد، وإنما أصبحت متداخلة بين الأمن والسياسة والاقتصاد والتحالفات والنفوذ الإقليمي.
وفي هذا السياق، يصعب تجاهل العامل المغربي عند تحليل مسار العلاقات الجزائرية الإماراتية، خصوصاً أن أبوظبي اختارت خلال السنوات الماضية توطيد علاقاتها مع الرباط، في وقت تعرف فيه العلاقات الجزائرية المغربية قطيعة دبلوماسية منذ 2021.
كما أن البلدين يقفان على طرفي نقيض بشأن قضية الصحراء، وهو ما يجعل أي تحالف إقليمي جديد للمغرب موضع اهتمام خاص في الجزائر.
وتذهب قراءات تحليلية إلى أن التقارب المغربي الإماراتي لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية العلاقات الثنائية، وإنما ضمن إعادة ترتيب التحالفات في شمال إفريقيا والساحل.
فالإمارات وسعت حضورها في القارة الإفريقية وفي عدد من الملفات الإقليمية، بينما يسعى المغرب بدوره إلى تعزيز موقعه الاقتصادي والدبلوماسي في إفريقيا. وفي المقابل، تنظر الجزائر إلى منطقة الساحل والمغرب العربي باعتبارهما مجالين يرتبطان مباشرة بأمنها ومصالحها الاستراتيجية.
ومن هنا، تصبح قضية الصحراء أحد العناوين التي تتقاطع فيها هذه المصالح المتعارضة.
ويعتقد مراقبون أن أهمية الصحراء في الخلاف لا ترتبط فقط بموقف الإمارات من السيادة المغربية، وإنما أيضاً بما يعنيه هذا الموقف داخل توازنات المنطقة.
فكلما توسعت دائرة الدول التي تدعم الموقف المغربي أو تتخذ خطوات سياسية ودبلوماسية تعكس تقارباً مع الرباط، تجد الجزائر نفسها أمام مشهد إقليمي مختلف عن المشهد الذي اعتادت التعامل معه.
وفي هذا الإطار، جاء الموقف الإماراتي كجزء من تحولات أوسع في قضية الصحراء، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيرات في مواقف عدد من القوى الدولية والإقليمية.
كما أن الخلاف لا يقتصر على الصحراء، إذ يبرز اختلاف المواقف من إسرائيل باعتباره أحد الملفات التي عمقت المسافة السياسية بين البلدين. فالإمارات اختارت التطبيع مع إسرائيل في إطار اتفاقات إبراهيم سنة 2020، بينما ترفض الجزائر هذا المسار وتتبنى موقفاً أكثر تشدداً تجاه إسرائيل.
وتتقاطع مصالح البلدين وتختلف أيضاً في عدد من الملفات المرتبطة بالساحل وليبيا والسودان، وهي مناطق أصبحت خلال السنوات الأخيرة ساحات لتنافس إقليمي متزايد.
ويرى محللون أن اتساع الحضور الإماراتي في إفريقيا والساحل، بالتوازي مع التحالفات التي نسجتها أبوظبي مع عدد من القوى الإقليمية، جعل الجزائر أكثر حساسية تجاه الدور الإماراتي في محيطها الاستراتيجي.
وبالتالي، فإن الصحراء ليست الملف الوحيد الذي يفسر التوتر، وإنما واحدة من حلقات سلسلة أكبر من الاختلافات.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الإجابة الأكثر دقة عن السؤال المطروح هي أن الصحراء المغربية يمكن اعتبارها طرفاً في الخلاف الجزائري الإماراتي، لكن لا يمكن اعتبارها، بناء على المعطيات الرسمية المتاحة، سبباً مباشراً للقطيعة.
فالجزائر لم تعلن أن موقف الإمارات من الصحراء هو الذي دفعها إلى قطع العلاقات، كما لم تقدم واقعة محددة تربط القرار مباشرة بهذا الملف.
لكن في المقابل، يصعب تجاهل أن البلدين يتبنيان موقفين متناقضين جذرياً بشأن القضية، وأن الإمارات أصبحت من أبرز الداعمين للمغرب في هذا الملف، في وقت تعتبر فيه الجزائر قضية الصحراء جزءاً أساسياً من سياستها الخارجية.
ولهذا يرى مراقبون أن الصحراء تشكل أحد أطراف المعادلة السياسية والجيوسياسية للخلاف، لا باعتبارها السبب الوحيد، وإنما باعتبارها ملفاً تتقاطع فيه المصالح والتحالفات والمنافسة على النفوذ.
وفي المحصلة، فإن القطيعة الجزائرية الإماراتية تبدو أكبر من مجرد خلاف حول قضية الصحراء. إنها نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وإقليمية، تتداخل فيها العلاقات مع المغرب، والمواقف من إسرائيل، والتنافس في الساحل وإفريقيا، والاتهامات المتعلقة بالتدخل في الشؤون الداخلية.
غير أن حضور الصحراء في هذه المعادلة يظل لافتاً، لأنها تمثل النقطة التي يلتقي فيها الخلاف الجزائري الإماراتي مع الصراع المغربي الجزائري الأوسع.
وبذلك، قد لا تكون الصحراء المغربية هي التي صنعت القطيعة، لكنها بالتأكيد واحدة من الملفات التي تساعد على فهم عمق الخلاف بين الجزائر والإمارات وحدود التباعد بين رؤيتيهما لمستقبل المنطقة وموازين القوى فيها.