في زمن سياسي كثرت فيه الخطب، وقلّ فيه أحيانا الكلام الجاد والمسؤول، يبرز نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، بخطاب مختلف يضع القضايا الحقيقية للمغاربة في صلب النقاش، بعيدا عن لغة الشعارات السهلة والمزايدات الظرفية.
بركة، في حديثه عن أزمة الثقة، لم يبحث عن الكلمات التي ترضي الجميع، ولم يحاول تقديم صورة وردية عن الواقع، بل اختار الطريق الأصعب: الاعتراف بالمشكلة وتشخيص جذورها. حين يقول إن المغرب يواجه «مشكل ثقة حقيقيا»، فهو لا يقدم مجرد توصيف سياسي عابر، وإنما يضع يده على واحدة من أكثر القضايا حساسية في علاقة المواطن، وخصوصا الشباب، بالمؤسسات وبالمستقبل.
وحين يؤكد «ما خصناش نغطيو الشمس بالغربال»، فإن الرسالة تبدو واضحة: السياسة الجادة تبدأ من مواجهة الواقع كما هو، لا من محاولة تجميله. وهذه الصراحة تمنح خطاب بركة قيمة خاصة في مشهد سياسي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الوضوح والمسؤولية.
قوة هذا الخطاب لا تكمن فقط في الاعتراف بوجود المشكلة، وإنما في طبيعة التشخيص الذي قدمه. فالأمين العام لحزب الاستقلال لم يختزل أزمة الشباب في التشغيل أو الأجور، كما لم يقدم حلا سحريا جاهزا، بل تحدث عن مقاربة شمولية تشمل الحقوق، وفعالية المؤسسات، ومحاربة منطق «الحكرة»، ومواجهة ما وصفه بـ«ثقافة الهمزة»، إلى جانب إعادة بناء علاقة الشباب بالوطن وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة.
وهنا تظهر أهمية الرؤية التي يقدمها نزار بركة، لأنها لا تنظر إلى الشباب باعتباره مجرد فئة تنتظر فرص الشغل، وإنما باعتباره شريكا أساسيا في بناء المستقبل. فالشاب الذي يشعر بأن المؤسسات تنصت إليه، وأن حقوقه مصانة، وأن الكفاءة يمكن أن تكون طريقا للنجاح، وأن المستقبل مفتوح أمامه، هو شاب أكثر ارتباطا بوطنه وأكثر استعدادا للمساهمة في تقدمه.
وعندما يتحدث بركة عن أزمة الثقة، فإنه في الواقع يتحدث عن أزمة أعمق من مجرد أرقام اقتصادية أو مؤشرات اجتماعية. إنه يتحدث عن العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المواطن والمؤسسات، وبين المواطن والسياسة. وهذه العلاقة لا يمكن إصلاحها بالشعارات، وإنما تحتاج إلى عمل طويل وإلى شجاعة سياسية للاعتراف بمواطن الخلل.
ومن اللافت أن بركة استحضر ما عاشه المغرب خلال يوليوز، في إشارة إلى موجة الهجرة الجماعية التي انخرط فيها عدد من الشباب، باعتباره مؤشرا على عمق الأزمة وعلى صعوبة الوضع. وهذه القراءة تعكس قدرة على النظر إلى الأحداث الاجتماعية ليس باعتبارها وقائع منفصلة، وإنما باعتبارها رسائل تحتاج إلى فهم وتحليل.
فالهجرة، في مثل هذه الحالات، لا تكون دائما بحثا عن المال فقط، بل قد تكون أيضا تعبيرا عن رغبة في تغيير الواقع والبحث عن أفق جديد. ولذلك فإن التعامل معها يتطلب، كما يوحي خطاب بركة، معالجة الأسباب وليس فقط النتائج.
وما يميز هذا الخطاب كذلك هو أنه لا يسقط في فخ تحميل طرف واحد مسؤولية كل شيء. فإعادة بناء الثقة مسؤولية مشتركة، تحتاج إلى مؤسسات أكثر فعالية، وأحزاب أكثر قربا من المواطنين، ومجتمع مدني أكثر حضورا، وإعلام مسؤول، ومدرسة قادرة على ترسيخ قيم المواطنة، واقتصاد يوفر الفرص ويمنح الشباب الإحساس بأن المستقبل ممكن داخل الوطن.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة بركة إلى تقوية ارتباط الشباب ببلدهم وترسيخ روح الوطنية والانتماء أكثر من مجرد كلام عاطفي. فالوطنية الحقيقية لا تبنى بالخطابات وحدها، وإنما عندما يشعر المواطن بأن وطنه يمنحه الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص، وأن المؤسسات موجودة لخدمته وحمايته.
وما يجعل خطاب نزار بركة مميزا أيضا هو هدوؤه. ففي الوقت الذي تتحول فيه بعض الخطب السياسية إلى مناسبة للتراشق وتبادل الاتهامات ورفع سقف المزايدات، اختار بركة لغة أكثر هدوءا، لكنها في الوقت نفسه أكثر عمقا. فهو لا يحتاج إلى الصراخ حتى يفرض حضوره، ولا إلى مهاجمة الخصوم حتى يثبت قوة حجته.
هذه الطريقة في الحديث عن السياسة تمنح الخطاب نوعا من النضج، لأن السياسة ليست مجرد مواجهة دائمة بين الخصوم، وليست سباقا في إطلاق الوعود، وإنما هي قبل كل شيء القدرة على فهم المجتمع وتقديم أجوبة واقعية عن أسئلته ومخاوفه.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن المشهد الحزبي المغربي يعرف أحيانا خطابات تركز أكثر على المزايدات السياسية وعلى تسجيل النقاط، بدل تقديم تصورات واضحة للقضايا التي تشغل المواطن. ولذلك فإن خطابا من النوع الذي قدمه بركة، حين يضع أزمة الثقة في قلب النقاش، يبدو أكثر ارتباطا بالأسئلة الحقيقية للمجتمع.
فالسؤال اليوم ليس فقط من يربح الانتخابات أو من يتصدر المشهد السياسي، وإنما كيف يمكن إعادة السياسة إلى معناها الحقيقي؟ كيف يمكن إقناع شاب فقد الثقة بأن صوته له قيمة؟ وكيف يمكن أن يشعر المواطن بأن المؤسسات تمثله فعلا؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار للعمل الحزبي والنقابي والمدني؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها الشعارات، ولا الحملات الانتخابية، ولا المزايدات. إنها تحتاج إلى رؤية وإرادة وإصلاحات ملموسة.
ومن هذه الزاوية، فإن خطاب نزار بركة يستحق التوقف عنده، ليس لأنه يخلو من النقاش أو الاختلاف، وإنما لأنه يفتح الباب أمام نقاش أكثر جدية حول مستقبل العلاقة بين الشباب والسياسة والمؤسسات.
وقد يكون أهم ما في هذا الخطاب أن بركة لم يحاول إنكار وجود المشكلة. فالاعتراف بالأزمة ليس ضعفا سياسيا، بل يمكن أن يكون دليلا على الشجاعة والمسؤولية. والسياسي الذي يستطيع أن يقول إن هناك مشكلة ثقة، وأن الشباب يشعر بالإحباط، وأن هناك اختلالات ينبغي معالجتها، يكون قد وضع قدمه على بداية طريق الإصلاح.
إن استعادة الثقة ليست مهمة سهلة، ولن تتحقق في يوم أو سنة، لكنها تبدأ دائما من خطوة أولى: الاعتراف بأن هناك أزمة، ثم امتلاك الجرأة لتشخيصها، وبعد ذلك وضع السياسات القادرة على تجاوزها.
وهنا بالضبط تكمن قيمة خطاب نزار بركة. فهو لا يكتفي بالحديث عن النتائج، وإنما يربط أزمة الثقة بقضايا أعمق، من الحقوق إلى فعالية المؤسسات، ومن الكرامة إلى العدالة، ومن محاربة «الحكرة» إلى مواجهة «ثقافة الهمزة»، ومن تحسين الظروف المادية إلى بناء علاقة جديدة بين الشباب والوطن.
قد يختلف البعض مع نزار بركة في بعض مواقفه السياسية، وقد تختلف التقييمات حول أداء حزب الاستقلال أو حول قدرة الفاعلين السياسيين على ترجمة مثل هذه الأفكار إلى واقع ملموس، وهذا أمر طبيعي في الديمقراطية. لكن الاختلاف السياسي لا يمنع من الاعتراف بأن مستوى الخطاب نفسه يستحق التنويه عندما يخرج النقاش من دائرة المزايدات ويدخل إلى صلب القضايا التي تؤرق المجتمع.
فالسياسة القوية ليست دائما في رفع الصوت، وليست في كثرة الاتهامات، وليست في إطلاق الوعود الكبيرة. السياسة القوية هي أن تملك القدرة على النظر إلى الواقع دون خوف، وأن تسمي الأشياء بأسمائها، وأن تعترف بما يحتاج إلى إصلاح، وأن تقدم للمواطن أملا مبنيا على رؤية وليس على الوهم.
ومن هذه الزاوية، يبدو نزار بركة في هذا الخطاب أقرب إلى رجل سياسي يحاول إعادة الاعتبار للجدية في النقاش العمومي، ويؤكد أن الخطاب السياسي يمكن أن يكون هادئا وقويا في الوقت نفسه، واقعيا ومتفائلا في آن واحد.
إن المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج السياسي بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الأفكار الجادة، ولا يحتاج الشباب إلى من يخاطبه بالوعود فقط، وإنما إلى من يفهم قلقه ويأخذ أسئلته على محمل الجد.
ولذلك فإن الرسالة الأبرز في كلام بركة تتمثل في أن استعادة ثقة الشباب ليست ملفا انتخابيا عابرا، وإنما قضية وطنية مرتبطة بمستقبل المغرب كله.
فحين يشعر الشاب بأن بلده يمنحه فرصة، ويحفظ كرامته، ويضمن حقوقه، ويتيح له المشاركة، ويعامل الكفاءة بالجدية التي تستحقها، فإن الثقة تعود تلقائيا، ويصبح الانتماء للوطن تجربة يومية وليس مجرد شعار.
وفي نهاية المطاف، قد يكون الفرق بين خطاب سياسي وآخر هو الفرق بين من يحاول أن يخفي المشكلة ومن يمتلك الجرأة على مواجهتها. ونزار بركة، في حديثه عن أزمة الثقة، اختار أن يقولها بوضوح: «ما خصناش نغطيو الشمس بالغربال».
وهي عبارة بسيطة في شكلها، لكنها تحمل رسالة سياسية كبيرة: لا إصلاح من دون اعتراف، ولا ثقة من دون مصارحة، ولا مستقبل من دون شباب يشعر بأن له مكانا حقيقيا في وطنه.
وبين خطابات تنشغل أحيانا بالمزايدات والخصومات، وخطاب يحاول الاقتراب من الجرح الحقيقي للمجتمع، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحا إلى النوع الثاني.
نزار بركة اختار أن يتحدث عن الجرح بدل الاكتفاء بتجميل الصورة، وأن يضع أزمة الثقة في قلب النقاش، وأن يدعو إلى مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الظرفية. وهذه، في حد ذاتها، بداية السياسة الجادة، وبداية خطاب يستحق أن يُسمع.