لماذا تحولت الصحراء إلى ساحة انتقام انتخابي بين الأحرار والبام والاستقلال؟

في مشهد انتخابي مغربي يتجدد كل خمس سنوات، تبرز تحولات لافتة في طبيعة التنافس السياسي، حيث انتقلت المعركة من “انتخابات القبيلة” التي كانت ترتهن للولاءات العائلية والقبلية، إلى “دوائر الموت” التي تحتدم فيها المنافسة بين القيادات الحزبية الكبرى في معارك انتخابية يُحسم فيها مصير الأحزاب ومستقبل قادتها.

“دوائر الموت”.. حيث يلتقي الزعماء

وتشير التسمية المتداولة إعلامياً إلى الدوائر الانتخابية التي تشهد تنافساً استثنائياً بين أبرز القيادات الحزبية، وعلى رأسها دائرة “الرباط-المحيط” التي باتت تضم ثقلاً سياسياً غير مسبوق، حيث يتبارى فيها وزراء وقادة أحزاب يتنافسون على أربعة مقاعد برلمانية فقط. ومع إقدام الأحزاب الكبرى على ترشيح أسمائها البارزة في هذه الدوائر، تحولت “دوائر الموت” إلى ساحة حاسمة لقياس ثقل الأحزاب وقدرتها على حصد المقاعد.

الصحراء.. أعلى نسب مشاركة في المملكة

وفي تناقض مع الصورة النمطية، تتحول الأقاليم الجنوبية إلى نموذج للحماس الانتخابي، حيث سجلت أعلى نسب مشاركة على المستوى الوطني في انتخابات 2021. فوفق معطيات رسمية لوزارة الداخلية، بلغت نسبة المشاركة في جهة العيون-الساقية الحمراء 68.65%، وهو رقم قياسي تجاوز بكثير المعدل الوطني الذي لم يتجاوز 50.35% .

وفي تفاصيل الأرقام، سجلت جهة كلميم-واد نون نسبة 63.76%، فيما بلغت في جهة الداخلة-وادي الذهب 58.30%. وتكشف هذه الأرقام عن تحول دراماتيكي في طبيعة المشاركة السياسية، حيث تحولت الصحراء من منطقة كانت تُوصَف بأنها هامشية انتخابياً إلى قلب الحماسة السياسية، في مؤشر على نجاح الإدماج السياسي لأبناء الأقاليم الجنوبية في الحياة المدنية .

القبيلة لم تختف.. لكنها تغيرت

غير أن هذا التحول لا يعني اختفاء الولاءات القبلية والعائلية، بل تغير شكلها. فالسياسة في الأقاليم الجنوبية ما زالت ترتهن لشبكات معقدة من العلاقات الشخصية والاعتبارات الرمزية، حيث يظهر التصويت غالبا كنتيجة لشبكات الولاءات التقليدية أكثر مما هو استجابة لبرامج حزبية واضحة .

غير أن الممارسة الانتخابية المتكررة أسهمت في الانتقال تدريجياً من عرف القبيلة إلى احترام القانون والعمل من داخل مؤسسات الدولة المدنية، حيث لم تعد المشاركة بداعي الانتماء إلى قبيلة المرشح بل بدافع الانتماء إلى نفس الحزب في الكثير من الحالات .

صراع الاستقطابات يشتد في الأقاليم الجنوبية

وتشهد الأقاليم الجنوبية في الآونة الأخيرة صراعا محتدما على الاستقطابات بين الأحزاب الكبرى، خاصة أحزاب الأغلبية، حيث سارع حزب الأصالة والمعاصرة إلى التوغل في الصحراء باستقطاب شخصيات ذات وزن انتخابي، في مقدمتها رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، الخطاط ينجا، الذي أعلن التحاقه رسمياً بالحزب قادماً من حزب الاستقلال، برفقة عدد من البرلمانيين والمنتخبين والأعيان، في خطوة اعتُبرت من أبرز التحولات السياسية التي عرفتها المنطقة .

وجاء هذا الاستقطاب ضمن جولة تنظيمية قادتها فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للبام، شملت جهات الداخلة وادي الذهب والعيون الساقية الحمراء وكلميم واد نون، بهدف تعزيز الحضور التنظيمي واستقطاب كفاءات ومنتخبين استعداداً للاستحقاقات التشريعية .

وفي المقابل، باشر حزب التجمع الوطني للأحرار تحركاً ميدانيا قويا للرد على هذا التوغل، حيث نظم لقاء تواصليا ضخما بمدينة الداخلة، ترأسه رئيس الحزب محمد شوكي، وحضره رئيس الحكومة والرئيس السابق للحزب عزيز أخنوش، إلى جانب عدد من أعضاء المكتب السياسي والقيادات المحلية والوطنية . واستغل أخنوش المناسبة لتوجيه رسائل سياسية حادة، مؤكداً أن حزبه “ليس في ميركاتو انتخابي”، بل “يصنع كفاءاته ويستعد للاستحقاقات بالعمل الميداني لا باستقطاب الأسماء في آخر اللحظات” .

أما حزب الاستقلال، فلم يقف مكتوف الأيدي، بل باشر بدوره إعادة ترتيب صفوفه في المنطقة، من خلال استقطاب البرلماني السابق وعضو مجلس جهة الداخلة وادي الذهب محمد بوبكر، الذي سيخوض الانتخابات التشريعية المقبلة مرشحا عن دائرة أوسرد، في مسعى لتعويض الخسائر التي تكبدها بخروج الخطاط ينجا ومجموعة من الأسماء المرتبطة به .

رهانات انتخابية استثنائية

وتأتي هذه التحولات في سياق استثنائي، حيث تُعد انتخابات 2026 محطة مفصلية ترتبط برهانات كبرى، أبرزها التنزيل المؤسساتي لمبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، واستضافة كأس العالم 2030، وترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية.

وتعكس هذه الدينامية السياسية حجم التنافس الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية، حيث أصبحت الانتقالات الحزبية والاستقطابات إحدى أبرز سمات المرحلة الحالية، في ظل سعي مختلف التنظيمات إلى تقوية قواعدها الانتخابية واستقطاب شخصيات تتمتع بحضور ميداني وقاعدة انتخابية مؤثرة.

ويبقى الرهان الأكبر على مدى قدرة هذه التحركات المتسارعة على ترجمة الحضور السياسي إلى أصوات في صناديق الاقتراع، في وقت تستعد فيه الأوساط السياسية لمرحلة انتخابية وصفها مراقبون بأنها ستكون الأكثر تنافسية في الأقاليم الجنوبية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *