أعادت الأحداث الأخيرة المرتبطة بمحاولات العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة إلى الواجهة أسئلة عميقة حول واقع الشباب المغربي، وحدود تأثير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في تنامي الرغبة في الهجرة، فضلا عن طبيعة الخلفيات التي قد تكون ساهمت في خروج أعداد كبيرة من الأشخاص، بينهم قاصرون، في ظرف زمني وجيز نحو الحدود.
وفتحت هذه الأحداث نقاشا أوسع، بات يسائل مختلف الفاعلين والمؤسسات على المستويات الأمنية والسياسية والاجتماعية، ويفرض التوقف عند خلفياتها ودوافعها، وما تكشفه من تحديات مرتبطة بالشباب والهجرة والثقة في المستقبل.
وفي خضم هذا النقاش، اختار عبد الصمد عرشان، الأمين العام لحزب الحركة الديمقراطية والاجتماعية، أن يضع الحدث في سياقه الوطني والسياسي، دون أن يخفي استغرابه من حجم التحرك الجماعي، مؤكدا أن حزبه لا يرغب في استثمار الواقعة سياسيا أو “الركوب” عليها، خصوصا على بعد شهرين من الاستحقاقات الانتخابية،و أنه ثمة إشكالا اجتماعيا ووطنيا يستوجب الفهم والبحث عن الأسباب الحقيقية، وراء الزحف الذي شهدته سبتة المحتلة.
وأوضح عرشان، خلال حلوله ضيفا على برنامج “لقاء خاص” عبر قناة جريدة “بلبريس”، أن ما حدث لا يمكن، في تقديره، اختزاله في مجرد انعكاس للأوضاع الاجتماعية، متسائلا عن الكيفية التي جعلت عشرات الآلاف من الشباب والقاصرين يتوجهون في وقت متقارب نحو سبتة، وهو ما اعتبره مؤشرا يستدعي مزيدا من التوضيح والتحليل، معتبرا أن المشهد كان صادما من حيث حجمه وطبيعته”.
وأضاف عبد الصمد عرشان أن الظروف الاجتماعية قد تكون عاملا من عوامل تفسير الظاهرة، وأن فئة من الشباب ربما فقدت جزءا من ثقتها في السياسات العمومية، لكنه شدد في المقابل على أن بهذا الكم هذا وفي يوم واحد، تبرز بحسبه، أسئلة أخرى حول خلفيات لم تتضح بعد.
وفي هذا الصدد، وجه الأمين العام لحزب الحركة الديمقراطية والاجتماعية انتقادا إلى الحكومة بسبب ما اعتبره ضعفا في التواصل مع الرأي العام، مشيرا إلى أن البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية ركز أساسا على الجانب الأمني، بينما كان من الضروري، في رأيه، تقديم توضيحات أوسع بشأن حيثيات ما وقع ودوافعه، موضحا أن هذا النوع من الأحداث لا يهم الجانب الأمني فقط، وإنما يرتبط أيضا بصورة المغرب وبالكرامة الجماعية للمواطنين، معتبرا أن الصور التي تناقلها الرأي العام لم تكن محل قبول لدى عدد كبير من المغاربة.
وتساءل عرشان عن دوافع توجه أعداد كبيرة من الأشخاص نحو الحدود سيرا على الأقدام، دون استعدادات واضحة أو حتى حمل أبسط المستلزمات، معتبرا أن هذه الصورة تطرح أسئلة تستحق الإجابة.
وفي معرض حديثه عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، أقر الأمين العام لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية بوجود تحديات، لكنه رفض في المقابل تقديم المغرب باعتباره بلدا منعدما من فرص الشغل أو الإمكانات، مشيرا إلى أن المملكة، في نظره، قطعت أشواطا مهمة وتتوفر على مؤهلات وفرص يمكن تطويرها لفائدة الشباب.
كما انتقد الصورة المثالية التي قد يحملها البعض عن أوروبا، معتبرا أن الاعتقاد بأن العبور إلى الضفة الأخرى يعني بالضرورة الوصول إلى حياة أفضل لم يعد يعكس واقعا تعيشه القارة الأوروبية نفسها، في ظل ما تواجهه من صعوبات اقتصادية وتحديات مرتبطة بسوق الشغل.
وخلص عرشان بالتأكيد على أن الحكومة المقبلة مطالبة بجعل التشغيل وتحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز ثقة الشباب في المستقبل ضمن أولوياتها، حتى لا تتكرر مشاهد مماثلة، معتبرا أن أحداث سبتة، بعيدا عن أي توظيف سياسي أو انتخابي، تستحق قراءة عميقة تستحضر مختلف أبعادها الاجتماعية والسياسية والأمنية، وتبحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها.