خبير يفكك أبعاد انتشار الجيش الجزائري بالنيجر وأثره على العلاقات مع المغرب

تتداخل في منطقة الساحل الإفريقي الملفات الأمنية والطاقية مع المصالح الاستراتيجية للدول المطلة عليها، في ظل استمرار الاضطرابات الأمنية والتحولات التي تشهدها ترتيبات التعاون الإقليمي.

وتكتسب النيجر أهمية خاصة في هذا السياق بالنظر إلى موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع دول الجوار، وفي مقدمتها الجزائر، التي تتقاسم معها حدودا ومصالح أمنية واقتصادية.

وقد أخذ قرار إرسال وحدات عسكرية جزائرية إلى النيجر مساره الرسمي عقب مصادقة البرلمان الجزائري بغرفتيه، يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، على الإخطار الرئاسي الصادر عن عبد المجيد تبون بتاريخ 22 أكتوبر الجاري، بناء على البند الثاني من الدستور الجزائري المادة 91 الفقرة الثانية، وجرى حسم القرار خلال جلستين مغلقتين؛ إذ حظي بموافقة الأغلبية المطلقة لنواب المجلس الشعبي الوطني، وبإجماع أعضاء مجلس الأمة، بواقع 148 صوتا مؤيدا من أصل 148.

ويمثل قرار إرسال وحدات عسكرية جزائرية إلى النيجر أول انتشار رسمي للجيش الجزائري خارج الحدود منذ 53 عاما، وذلك منذ مشاركته في حرب أكتوبر 1973، وبالتالي تطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الانعكاسات التي ستخلفها هذه الخطوة العسكرية على التوازنات الجيوسياسية الحاكمة للعلاقات التاريخية المتينة بين المغرب والنيجر، سيما في ظل التقاطع مع السياق الأممي الراهن، وما يفرضه من استقطابات إقليمية ودولية حول قضايا السلم والأمن في القارة الإفريقية.

وفي هذا  السياق، أكد المحلل العسكري والاستراتيجي عبد الرحمان مكاوي أن بعض الأطراف قد ذهبت بعيدا في قراءاتها وتحليلاتها وتناست حقيقة تاريخية وجيوسياسية هامة، تتمثل في أن جذور بعض القبائل النيجرية تعود في أصولها إلى المغرب، مشددا على أن العلاقات الروحية والسياسية والدبلوماسية والترابط الاقتصادي مع النيجر تكتسي طابعا بالغ الأهمية والاستراتيجية؛ حيث تصل الشاحنات المغربية بانتظام إلى غاية نيامي العاصمة، فضلا عن وجود أعداد هامة من الطلبة والطالبات النيجريين في الجامعات المغربية.

وأوضح مكاوي من خلال تصريح خص به جريدة “بلبريس” أن الجزائر، في انتشارها العسكري المحدود بالنيجر المتمثل في تعزيزات جوية مصغرة عبر مقاتلات ومروحيات وطائرة إمداد، لا تسعى إلى تقويض الحضور المغربي المتجذر، نظرا للنفوذ الاقتصادي والروحي الواسع للمغاربة هناك.

ولفت مكاوي إلى أن النيجر، باعتبارها دولة فقيرة وهشة، يُحتمل أنها فرضت شروطا صارمة على حكام الجزائر لعدم المساس بتعاونها مع المغرب، مرجحا أن تكون الأوليغارشية العسكرية الجزائرية قد رضخت لهذه الشروط.

وفي السياق ذاته، كشف المحلل العسكري عبد الرحمان مكاوي أن السردية الرسمية التي تسوقها الأوليغارشية العسكرية حول “مواجهة زعزعة الاستقرار وتشكيل محاور إقليمية” تخفي خلفها أهدافا اقتصادية محضة تتصل بحماية ريع الغاز وتأمين حوض “أغادم” النفطي في النيجر.

وأوضح مكاوي أن هذا التحرك يأتي في أعقاب التهديدات التي عرفها بئر “Goumeri W-8” التابع لشركة البترول الوطنية النيجرية، وإرسال لواء تابع لشركة “سوناطراك” بناء على توجيهات رئاسية لتأمين هذا الشريان الحيوي؛ باعتبار أن حماية حوض أغادم تشكل شرطا وجوديا لا غنى عنه لاستمرار مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء (TSGP) الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر.

​وعلى الصعيد الميداني والعسكري، وصف مكاوي هذا الانتشار بأنه حملة محدودة ومنهكة ترقى إلى مستوى “الاستعراض العسكري” أكثر من كونها تدخلا ميدانيا واسعا، مشيرا إلى أن الوسائل المعبأة تقتصر على تعزيزات جوية مصغرة تشمل أربع مروحيات ومقاتلات من طراز “Su-30” وطائرة إمداد.

ولفت الخبير العسكري إلى أن هذا التحرك يواجه تعقيدات جيوسياسية بالغة، تتمثل في تقاطعات الفخ الليبي عبر حدود فزان، والتوجس الروسي من حضور شركة “فاغنر” في إطار تحالف دول الساحل، فضلا عن المخاطر الدستورية المتمثلة في تجاوز عقيدة الدفاع الإقليمي المترسخة منذ حرب أكتوبر 1973 وفتح الباب أمام سابقة تدخلية قد تُقحم الجيش الجزائري في حرب استنزاف غير محسوبة العواقب.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *