بعد استبعاده من التزكيات.. بوعيدة يكتب: “أنا سياسي فاشل”

في خطوة مفاجئة ولافتة، خرج البرلماني الاستقلالي عبد الرحيم بوعيدة، بردٍّ ناريٍّ على استبعاده من لائحة تزكيات حزب الاستقلال للانتخابات التشريعية المقبلة، التي أعلنتها اللجنة التنفيذية للحزب قبل أيام، والتي شملت عدداً من الدوائر الانتخابية بمختلف جهات المملكة، دون أن يتضمن اسمه ضمنها.

وكان بوعيدة، الذي شغل سابقاً منصب رئيس جهة كلميم وادنون، قد استبعد من التزكيات التي ضمت وجوهاً استقلالية بارزة، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تأتي في سياق إعادة ترتيب الأوراق داخل الحزب، واختيار مرشحين جدد لخوض غمار الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر المقبل.

رسالة “الفاشل” 

وفي ردٍّ مبطن نشر بوعيدة، المنتمي لحزب الاستقلال، نصا مطولا على منصاته التواصلية، جاء تحت عنوان “اعترافات سياسي فاشل”، وجه من خلاله رسائل قاسية إلى الساحة السياسية، متحدثا عن تجربته التي امتدت لأكثر من عقد، ومحمّلاً المسؤولية لمن وصفهم بـ”محترفي النفوذ وهندسة السياسة”.

وكتب بوعيدة في مستهل رسالته: “كلُّ منصبٍ يطرح على الإنسان سؤالاً واحداً، لكنه أخطر من كل أسئلة التاريخ: ماذا يمكن أن تبيع من نفسك، مقابل أن تبقى في القمة؟”، مضيفاً: “بعضهم يبيع صوته، وبعضهم يبيع ذاكرته، وبعضهم يبيع وطناً كاملاً على دفعاتٍ صغيرة لا يشعر بها أحد.. أما أنا، فقد ارتكبت الحماقة الأكبر.. احتفظتُ بنفسي.. ومنذ ذلك اليوم، وأنا أحمل لقباً يتداوله المنتصرون باستخفاف: السياسي الفاشل”.

سياسة الأخلاق مقابل سياسة النفوذ
وتناول بوعيدة في نصه مساره السياسي الذي انطلق سنة 2011، مؤكداً أنه دخل السياسة حاملاً “إيماناً ساذجاً بأن السياسة يمكن أن تكون فعلاً أخلاقياً، لا تجارةً يتقنها السماسرة”، وأنه ظل يؤمن بأن الفكرة قادرة على هزيمة المال، والكلمة الصادقة على الوصول إلى قلوب الناس.

وأقرّ بأنه وقف في مواجهة محترفين “لا يلعبون السياسة، بل يتقنون هندسة النفوذ”، مشيراً إلى أن هؤلاء يعرفون أن الانتخابات لا تُحسم عند صناديق الاقتراع، بل قبلها بكثير، في الأماكن التي لا تصلها الكاميرات.

رئاسة الجهة.. امتحان لا جائزة

وتطرق بوعيدة إلى تجربته في رئاسة الجهة، التي وصفها بأنها جاءته “كما تأتي الأقدار التي تضع الإنسان أمام امتحانٍ لا أمام جائزة”، معترفاً بأنه خرج منها “أكثر فقراً مما دخلها، لا لأن المال اختفى، بل لأن النزاهة في السياسة تُدفع من الرصيد الشخصي، لا من الخزينة العامة”.

وفي انتقاد لاذع لظاهرة استغلال المناصب، كتب: “بينما كان آخرون يغادرون المناصب وقد تحوّلت سنوات المسؤولية في حياتهم إلى استثماراتٍ خاصة، كأن الوطن لم يكن سوى شركةٍ مغلقة، وكأن المنصب دفترُ شيكات مفتوح لمن يعرف كيف يوقّع في الظلام”.

واعترف بوعيدة، بسخرية لاذعة، بأنه فشل سياسياً، لكنه فسر فشله بطريقة مختلفة، حيث كتب: “فشلت لأنني لم أتعلم كيف تتحول المناصب إلى أرصدة، وكيف تتحول الثقة إلى صفقات، وكيف يصبح الصمت استثماراً يدرُّ الأرباح.. فشلت لأنني غادرت كل موقعٍ دخلته، ولم أغادره محمّلاً بما يكفي من العقارات والحسابات والامتيازات ليقال إنني كنت سياسياً ناجحاً”.

وأضاف: “فشلت لأن راتبي ما زال يعرف طريق القروض، بينما يعرف غيره طريق الثروات التي لا يفسرها راتب ولا وظيفة”، مؤكداً أنه لم يعتبر المسؤولية “موسماً للحصاد الشخصي، ولا الناس سلّماً للصعود، ولا المال العام غنيمةً يتقاسمها الأقوياء”.

“لم أستيقظ يوماً خائفاً”

وفي خاتمة رسالته، شدد بوعيدة على أنه نجح في شيء واحد، وهو أنه “لم يستيقظ يوماً خائفاً من وثيقة، ولا من تسجيل، ولا من حسابٍ مخفي، ولا من بابٍ قد يُطرق مع الفجر”، مضيفاً: “نجحت لأنني، كلما وقفت أمام المرآة، وجدت الرجل نفسه الذي دخل السياسة قبل سنوات؛ أقلّ مالاً، وأكثر تعباً، لكنه لم يحتج يوماً إلى أن يشيح بعينيه عن نفسه”.

واختتم رسالته بعبارة اعتبرتها الأوساط السياسية بمثابة شهادة اعتزاز، قال فيها: “إذا كانت النزاهة فشلاً.. فليشهد التاريخ أنني كنت، وسأبقى، ذلك السياسي الفاشل”.

استبعاد يثير الجدل

يُذكر أن حزب الاستقلال كان قد كشف قبل أيام عن الدفعة الأولى من لائحة مرشحيه للانتخابات التشريعية المقبلة، والتي شملت أسماء بارزة في مختلف الجهات، في مقدمتها الأمين العام نزار بركة في دائرة العرائش، إلى جانب عدد من القيادات الاستقلالية، غير أن اسم بوعيدة كان غائباً عن هذه التزكيات، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول أسباب هذا الاستبعاد، وما إذا كان يعود لخلافات داخلية أم لمعايير جديدة اعتمدتها اللجنة التنفيذية.

وجاء رد بوعيدة بهذه الرسالة القوية ليكون بمثابة تأكيد على أن المشهد السياسي في المغرب، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يعرف تصعيداً لافتاً، وتجلياً لخيارات سياسية قد تحسم مستقبل العديد من الوجوه البرلمانية في المرحلة المقبلة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *