مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود حضور الشباب داخل الأحزاب السياسية إلى واجهة النقاش، خصوصا مع الكشف عن أسماء المرشحين وغياب الوجوه الشابة عن صدارة عدد من اللوائح، في مقابل استمرار الخطاب الحزبي الداعي إلى تجديد النخب وتوسيع مشاركة الأجيال الجديدة في تدبير الشأن العام.
ويطرح هذا الواقع من جديد سؤال المسافة بين حضور الشباب داخل التنظيمات الحزبية ووصولهم إلى مواقع القرار والتمثيل الانتخابي، في وقت تتحول فيه التزكيات وصدارة اللوائح، مع كل استحقاق، إلى أحد المؤشرات التي يجري اعتمادها لقياس مدى قدرة الأحزاب على فتح المجال أمام نخب جديدة.
غير أن اختزال النقاش حول المشاركة السياسية للشباب في عدد المرشحين أو مواقعهم داخل اللوائح الانتخابية لا يقدم، بحسب خالد الشيات، أستاذ العلوم السياسية والمحلل السياسي، صورة كاملة عن الإشكال، بالنظر إلى أن مفهوم المشاركة السياسية أوسع من المشاركة في الانتخابات أو الانتماء إلى الهيئات الحزبية.
وقال الشيات، في تصريح خص به جريدة “بلبريس”، إن المشاركة السياسية لا تعني فقط المشاركة الانتخابية أو الحضور داخل الهيئات والتنظيمات، وإنما تشكل مفهوما واسعا يرتبط بانخراط الشباب في الحياة السياسية بمختلف أشكالها.
وأوضح المتحدث أن النقاش المتداول حاليا بشأن النسب المخصصة للشباب داخل الأحزاب وأدوارهم لا يكفي بمفرده للحكم على مستوى مشاركتهم السياسية، لاسيما أن وضعية التنظيمات الحزبية وطبيعة اشتغالها تختلف من حزب إلى آخر.
وسجل المحلل السياسي أن عددا من الأحزاب لا يرتبط اشتغالها، بالقدر المطلوب، بما هو قاعدي وجماهيري وديمقراطي، معتبرا أن بعض الآليات الموجهة إلى تعزيز حضور الشباب قد تتحول في هذه الحالة إلى أدوات يستفيد منها شباب معينون بناء على ارتباطات عائلية أو شخصية، عوض أن تعكس فعليا تنوع المشاركة السياسية واتساع قاعدتها.
وفي هذا السياق، شدد الشيات على أنه لا يمكن تقييم المشاركة السياسية للشباب انطلاقا فقط من حضورهم في اللوائح أو مواقعهم داخل الأحزاب، وإنما من خلال الخيارات الفعلية المتاحة أمامهم للانخراط في الحياة السياسية بصورة عامة، على أن يشكل العمل الحزبي والانتخابي جزءا من هذا الانخراط وليس صورته الوحيدة.
ويأتي هذا النقاش في وقت تتجه فيه الأنظار إلى اختيارات الأحزاب في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وسط تساؤلات حول مدى قدرة خطاب تجديد النخب على الانعكاس فعليا على تركيبة الترشيحات، وموقع الشباب داخل المنافسة الانتخابية، بعيدا عن الاكتفاء بحضورهم في الهياكل الموازية أو الأنشطة التنظيمية.
ويرى الشيات أن بقاء قضية الشباب موضوع سجال بين الأحزاب خلال المحطات الانتخابية لا يعكس حقيقة أزمة المشاركة السياسية ولا يقدم بمفرده حلا لها، مؤكدا أن معالجة الإشكال ينبغي أن تتم على مستويات أعلى وأوسع تتصل بشروط المشاركة في الحياة السياسية ككل.
وبهذا المعنى، لا يتوقف رهان إشراك الشباب عند منحهم مواقع متقدمة في اللوائح الانتخابية، بقدر ما يرتبط بتوفير بيئة سياسية تسمح بانخراطهم بصورة طبيعية ومستدامة في الشأن العام، بما يجعل الوصول إلى الأحزاب والانتخابات ومواقع القرار نتيجة لمسار مشاركة أوسع، وليس إجراء ظرفيا تفرضه حسابات الاستحقاقات الانتخابية.