لم يعد يفصل المغرب سوى يومين عن افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة، في محطة ستضع الولاية البرلمانية الجديدة أمام أول اختبار سياسي فعلي، في وقت لم تُحسم فيه بعد بشكل نهائي معالم الحكومة التي ستقود المرحلة المقبلة. وبينما يستعد نواب الأمة للجلوس في المؤسسة التشريعية لأول مرة بعد انتخابات 23 شتنبر، تواصل فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، سباقاً مع الزمن لإنهاء مفاوضات الأغلبية وترجمة نتائج الاقتراع إلى تحالف حكومي قادر على تأمين الاستقرار السياسي.
ويأتي افتتاح البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر في موعد دستوري ثابت، إذ تنص مقتضيات الفصل 65 من الدستور على افتتاح الدورة الأولى يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، فيما يرأس الملك افتتاحها بحضور أعضاء مجلسي النواب والمستشارين في جلسة مشتركة. وتؤكد قواعد مجلس النواب أن الولاية التشريعية الجديدة تستهل رسمياً مع دورة أكتوبر، ما يجعل جلسة الجمعة لحظة تأسيسية لمسار سياسي جديد.
غير أن المفارقة الأساسية في هذه الدورة تتمثل في أن البرلمان قد يفتح أبوابه قبل اكتمال الصورة الحكومية، بعدما دخلت مشاورات المنصوري مرحلة دقيقة للغاية. فقد انتقلت رئيسة الحكومة المعينة، منذ بداية الأسبوع، من جولة الاستماع إلى جولة التفاوض الفعلي، حيث التقت قيادة الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، ثم واصلت اتصالاتها مع الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، قبل أن تجتمع بمحمد أوزين، الأمين العام للحركة الشعبية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الاتجاه الأقرب للحسم يمر عبر بناء أغلبية تضم حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً، إلى جانب حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً، مع استمرار النقاش حول الحزب الذي يمكن أن يشكل الحلقة الإضافية في هذه الهندسة. وتمنح هذه الصيغة، في حال اكتملت، أغلبية مريحة تتجاوز العتبة المطلوبة للتنصيب، فيما تظل الحركة الشعبية أحد أبرز الأسماء التي دار حولها النقاش خلال الساعات الأخيرة.
لكن الأرقام وحدها لا تختصر تعقيدات المرحلة. فالمفاوضات لا تتعلق فقط بعدد المقاعد، وإنما أيضاً بتوزيع الحقائب الوزارية، وحجم تمثيل كل حزب داخل الحكومة، وصياغة برنامج حكومي قادر على جمع مكونات ائتلافية تختلف في مواقعها وبرامجها وخلفياتها السياسية. كما أن المنصوري مطالبة ببناء أغلبية لا تكون مجرد تجميع حسابي للأصوات، وإنما قاعدة سياسية قادرة على تحمل قرارات الحكومة ومواجهة المعارضة داخل مجلس النواب.
وفي المقابل، سيكون على نواب الأمة الجدد ترتيب البيت الداخلي للمؤسسة التشريعية. فبعد افتتاح الدورة، ستتجه الأنظار إلى انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء مكتبه، وهي محطة لا تقل أهمية عن تشكيل الحكومة، بالنظر إلى الدور الذي تلعبه رئاسة المجلس في تنظيم العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وبرمجة العمل التشريعي والرقابي، وتدبير الجلسات واللجان. وتدور بالفعل أسماء عدة داخل حزب الأصالة والمعاصرة لتولي رئاسة الغرفة الأولى، من بينها عز الدين الميداوي وعبد اللطيف وهبي ومحمد الصباري وأحمد التويزي والمهدي بنسعيد.
وسيكون البرلمان الجديد، بذلك، أمام مهمة مزدوجة: استكمال هندسته الداخلية من جهة، وانتظار اكتمال تشكيل السلطة التنفيذية من جهة أخرى. وفي حال لم تُعلن الحكومة قبل افتتاح الدورة، فإن ذلك لن يمنع البرلمان من الانعقاد، إذ إن المسارين الدستوريين لتشكيل الحكومة وافتتاح الدورة البرلمانية منفصلان. وقد سبق للمغرب أن عاش سيناريو مماثلاً سنة 2016، حين افتتحت الدورة البرلمانية بينما كانت مفاوضات تشكيل الحكومة لا تزال مستمرة، قبل أن تنتهي لاحقاً بتعيين حكومة سعد الدين العثماني.
أما الاختبار الحقيقي للحكومة، فلن يكون في جلسة الافتتاح، وإنما في اللحظة التي ستتقدم فيها أمام البرلمان ببرنامجها الحكومي. فالفصل 88 من الدستور يفرض على رئيس الحكومة عرض الخطوط العريضة للبرنامج أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، قبل أن يخضع للنقاش داخل كل مجلس، ولا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه.
وهنا تحديداً ستنتقل المنصوري من مرحلة التفاوض الحزبي إلى مرحلة الاختبار المؤسساتي. فالأغلبية التي ستدعمها ستجد نفسها مطالبة بالدفاع عن برنامج موحد أمام برلمان جديد، في حين ستتولى المعارضة، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية الذي اختار الاصطفاف خارج الحكومة، مهمة مراقبة الأداء التنفيذي منذ الأيام الأولى. وتشير قراءات سياسية إلى أن التحدي لا يرتبط فقط بتشكيل ائتلاف حكومي، بل أيضاً ببلورة عرض سياسي وبرنامج موحد بين الأحزاب التي ستشارك في السلطة.
وبالنسبة إلى النواب، فإن بداية الولاية لن تكون مجرد مناسبة بروتوكولية، بل انطلاقة لمسار تشريعي ورقابي ينتظر منه أن يترجم نتائج الانتخابات إلى أداء سياسي ملموس. وستكون أمامهم ملفات اجتماعية واقتصادية ثقيلة، من التشغيل والقدرة الشرائية والاستثمار إلى إصلاح الخدمات العمومية، فضلاً عن مواصلة الأوراش الكبرى التي دخلت مراحل حاسمة، وهو ما سيرفع سقف الانتظارات من البرلمان والحكومة معاً.
وفي غضون ذلك، تبدو الساعات الثماني والأربعون المقبلة حاسمة في تحديد صورة المشهد السياسي الذي سيظهر أمام الملك يوم الجمعة. فإما أن تنجح المنصوري في إغلاق ملف الأغلبية وتقترب من إعلان الحكومة، أو أن يفتتح البرلمان دورته الجديدة فيما لا تزال المفاوضات جارية خلف الكواليس. وفي الحالتين، سيكون يوم 9 أكتوبر أكثر من مجرد موعد دستوري؛ إنه بداية اختبار سياسي لرئيسة حكومة اختارت أن تبني أول أغلبية في عهدها وسط خريطة برلمانية جديدة، ومعارضة أكثر وضوحاً، وانتظارات شعبية لا تحتمل طويلاً مرحلة الانتظار.