ويطرح هذا المشهد سؤالاً يتجاوز هدوء اليوم الأول: هل امتصت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً كبيراً من زخم الحملات الانتخابية، وحولت المنافسة من الشارع إلى الفضاء الرقمي؟ خلال أول 24 ساعة، بدت منصات التواصل الاجتماعي واحدة من أبرز ساحات التنافس الانتخابي، بالتوازي مع تحركات ميدانية محدودة وفتح مقرات الأحزاب وتوزيع المنشورات. وبدلاً من انتظار تنظيم تجمعات جماهيرية واسعة، وجد عدد من المرشحين في الهاتف والمنصة الرقمية وسيلة أسرع للوصول إلى الناخبين وعرض البرامج والتعريف بالحملات. هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الشارع فقد أهميته، لكنه يكشف تغيراً في طريقة إطلاق الحملات. فالمهرجان الانتخابي الذي كان يحتاج إلى أيام من الإعداد وحشد الأنصار والنقل والتنظيم، يمكن أن تستبدله اليوم صورة أو فيديو أو بث مباشر يصل خلال دقائق إلى آلاف المتابعين. وتظهر تجربة عدد من المرشحين خلال اليوم الأول هذا التداخل بين العالمين. ففي الرباط، اختار مصطفى الخلفي، الوزير السابق والمرشح باسم حزب العدالة والتنمية بدائرة المحيط، أن يجمع بين التحرك الميداني والنشاط الرقمي، من خلال جولات في أحياء الدائرة بالتوازي مع نشر محتويات انتخابية على منصات التواصل. وأكد الخلفي أن المحتوى الرقمي الذي سيعتمده لن يكون ممولاً، وإنما سيقوم على الانتشار الطبيعي والتفاعل مع المنشورات، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية المنصات الرقمية في الوصول إلى الناخبين خارج الأطر التقليدية للحملة. وفي بنسليمان، غلب على بداية حملة حزب الاستقلال الطابع التنظيمي، من خلال لقاء خصص لترتيب العمل وتوزيع الأدوار والإعداد للأنشطة المقبلة. أما إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فبدأ جولة انتخابية من مراكش تشمل عدداً من المدن، في محاولة للجمع بين الحضور الميداني والتواصل المباشر مع الناخبين. لكن اللافت أن هذه التحركات لم تنتج، خلال اليوم الأول، مشهداً جماهيرياً واسعاً على شاكلة ما كان مألوفاً في حملات انتخابية سابقة. وهو ما يفتح الباب أمام فرضية أن جزءاً من الزخم الذي كان يُقاس سابقاً بعدد الحاضرين في التجمعات أصبح اليوم يقاس بمؤشرات مختلفة: عدد المشاهدات، والتفاعلات، والمشاركات، وانتشار مقاطع المرشحين. لقد تغيرت طبيعة المنافسة نفسها. فالمرشح لم يعد مضطراً إلى انتظار موعد التجمع الجماهيري حتى يخاطب الناخبين؛ يستطيع أن يتحدث إليهم يومياً، وأن يعيد نشر خطابه أكثر من مرة، وأن يختبر ردود الفعل على أفكاره وبرنامجه، وأن يستهدف فئات محددة من الناخبين. كما أن المنصات الرقمية توفر للأحزاب والمرشحين ميزة أخرى: الحضور المستمر. فالمهرجان ينتهي بانتهاء الخطاب، بينما يبقى الفيديو والصورة والمنشور متاحاً للمشاهدة والتداول، ويمكن أن يعود إلى الواجهة بعد ساعات أو أيام. لكن هذه المزايا تطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للتفاعل الرقمي أن يعوض فعلاً التعبئة الميدانية؟ فالانتخابات لا تحسم بعدد الإعجابات والمشاهدات، وإنما بعدد الأصوات التي تصل إلى صناديق الاقتراع. وقد يحقق منشور انتخابي آلاف التفاعلات دون أن يتحول بالضرورة إلى أصوات، كما أن انتشار مقطع لمرشح لا يعني تلقائياً قدرته على تعبئة الناخبين يوم التصويت. ومن هنا، فإن نجاح الحملة الرقمية سيظل مرتبطاً بقدرة الأحزاب على تحويل الحضور الافتراضي إلى تنظيم ميداني. فوسائل التواصل قد تساعد في الوصول إلى الناخب، لكنها لا تقوم بالضرورة مقام شبكات التعبئة المحلية، واللقاءات المباشرة، والقدرة على إقناع الناخب المتردد بالمشاركة والتصويت. ويبدو أن الأحزاب المغربية تدرك هذه المعادلة، ولذلك لم تتخل عن العمل الميداني، وإنما أعادت توزيع الأدوار بينه وبين الفضاء الرقمي. ففتح المقرات، والزيارات الميدانية، واللقاءات المحلية، وتوزيع المنشورات، تسير بالتوازي مع نشر المحتوى الانتخابي عبر المنصات الاجتماعية. وقد يكون هذا أحد أسباب الهدوء الذي طبع اليوم الأول. فالحملة لم تعد تبدأ بالضرورة من الشارع؛ يمكن أن تبدأ قبل ذلك بكثير على الإنترنت، حيث يختبر المرشحون خطاباتهم ويقدمون أنفسهم وبرامجهم ويجمعون المتابعين، قبل أن ينقلوا جزءاً من هذا الحضور إلى الميدان. كما أن الحملات الرقمية أقل تكلفة وأسرع انتشاراً، وهو ما يمنحها جاذبية خاصة في استحقاق انتخابي قصير المدة. وفي ظل 13 يوماً فقط تفصل بين بداية الحملة ويوم الاقتراع، تصبح القدرة على الوصول السريع إلى الناخبين عاملاً مهماً في تحديد استراتيجية الأحزاب والمرشحين. ومع ذلك، فإن الحديث عن “ابتلاع” وسائل التواصل الاجتماعي للحملات التقليدية قد يكون سابقاً لأوانه. فما حدث خلال اليوم الأول قد يكون مجرد اختيار تكتيكي لتوزيع الجهد على مراحل، خصوصاً أن الأحزاب قد ترفع تدريجياً من وتيرة التجمعات والجولات كلما اقترب موعد التصويت. لذلك، ستكون الأيام المقبلة اختباراً حقيقياً لهذه الفرضية. فإذا استمرت الحملات الجماهيرية محدودة، مقابل تصاعد النشاط الرقمي، فسيكون من الصعب تجاهل التحول الذي طرأ على شكل المنافسة الانتخابية. أما إذا عادت الساحات إلى الامتلاء وارتفعت وتيرة التجمعات، فقد يتضح أن هدوء البداية لم يكن سوى مرحلة مؤقتة. في نهاية المطاف، يبدو أن الهاتف أصبح منافساً حقيقياً للمنصة الانتخابية. وبينما كانت الحملات السابقة تقاس بحجم التجمعات وعدد الحاضرين، أصبحت الحملات الجديدة تُقاس أيضاً بسرعة انتشار المحتوى وقدرة المرشح على الوصول إلى الناخب داخل فضائه الشخصي. لكن يبقى الاختبار الأصعب خارج الشاشة: هل يستطيع هذا الزخم الرقمي أن يتحول إلى تعبئة حقيقية يوم 23 شتنبر؟ فإذا نجحت الأحزاب في تحويل المتابعين إلى ناخبين، سيكون انتقال الحملة من الساحات إلى الشاشات تحولاً سياسياً حقيقياً، أما إذا بقي التفاعل حبيس المنصات، فقد يتبين أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تمتص زخم الحملات الانتخابية، بل غيرت فقط الطريقة التي يظهر بها هذا الزخم.