يدشن المغرب مرحلة جديدة في تعزيز أمنه المالي عبر مشروع قانون رائد يضع آليات واضحة وحاسمة لتدبير أزمات مؤسسات الائتمان وتصفيتها؛ خطوة لا تمثل مجرد تعديلات إجرائية عابرة، بل تشكل لبنة أساسية لترسيخ السيادة المالية للمملكة وحماية الاقتصاد الوطني من الهزات الارتدادية للأزمات الدولية، مستلهمةً الدروس القاسية من الأزمة المالية العالمية لسنة 2008.
وجاء هذا خلال تقديم وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح علوي، لمشروع قانون رقم 87.21 يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها والقانون رقم 40.17 المتعلق بالقانون الأســاســي لبـنـك المغـرب، خلال اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية بمجلس المستشارين اليوم الثلاثاء.
ويحمل هذا المشروع في طياته حزمة من الضمانات الصارمة التي تهدف إلى الحفاظ على استمرارية وفعالية إجراءات التصفية، مع إيلاء حماية قصوى لمصالح كافة الأطراف المعنية، وفي مقدمتهم المودعون والمساهمون والمؤسسات البنكية نفسها؛ حيث يتولى “بنك المغرب” الإشراف المباشر على تنزيل هذه المنظومة وضمان الالتزام بمبادئها التوجيهية، والتي تنطلق من اعتماد تقييم عادل وواقعي للأصول والخصوم عبر خبراء مستقلين، وتعيين مراقبين مخصصين لمواكبة وتحقيق أهداف التصفية.
وفي مقاربة تنظيمية دقيقة، يؤسس القانون لقواعد صارمة في تحمل الخسائر وفق ترتيب تصاعدي يبدأ بالمساهمين ثم الديون الثانوية، وصولاً إلى الدائنين غير المضمونين والمضمونين، وذلك دون المساس بحقوق الدائنين المتميزين.
وتتجلى العدالة الحمائية في هذا النص بضمان ألا يتحمل أي دائن خسائر تفوق تلك التي كان سيتحملها في حالة التصفية العادية، مما يعكس الانتقال نحو مفهوم “الإنقاذ والحل” بدلاً من “التصفية التقليدية”، بالتوازي مع إقرار المسؤولية المدنية والجنائية للأشخاص الذاتيين والاعتباريين عن فشل المؤسسة، والإبقاء على الودائع المغطاة محمية بشكل كامل.
أما على صعيد التمويل، فقد أكدت الوزيرة على أن مشروع القانون قضى بتوسيع الصلاحيات الحيوية لصندوق حماية المودعين ليمتد دوره إلى المساهمة الفعلية في تمويل تصفية أزمات مؤسسات الائتمان، مدعوماً بنظام اشتراكات متطور يعيد النظر في المساهمات بناءً على حجم الودائع والمخاطر المحيطة بكل مؤسسة. وحفاظاً على استدامة الصندوق وملاءته المالية، تم وضع سقف أقصى لاستخدام أمواله لا يتعدى 50% من إجمالي أصوله، لضمان استمراره في أداء مهامه الأصلية بكفاءة وتفادي استنزاف موارده.
وفي خطوة استشرافية لحماية “البنوك النظامية” يفتح القانون الباب أمام إمكانية اللجوء الاستثنائي إلى الدعم المالي العمومي؛ حيث يظل للحكومة خيار تقديري ومرن -بناءً على طلب من بنك المغرب- لتقديم دعم مالي استثنائي للمؤسسات ذات الأهمية الشمولية والمخاطر الخاصة، شريطة أن يكون هذا التدخل بمثابة “ملاذ أخير” يفعّل فقط بعد استنفاذ جميع مصادر التمويل الداخلية والموارد المالية للقطاع الخاص، تفادياً لحدوث أي انهيار هيكلي في المنظومة المالية.
وأضافت الوزيرة أن هذا النص التشريعي، ينهي عملياً حقبة التساؤلات والارتباك التي تصاحب الأزمات الفجائية حول تحديد المسؤوليات ومصادر التمويل وآليات الإدارة، ليضع مكانه إطاراً تنظيمياً جاهزاً للتطبيق الفوري عند أي ضغط مالي.