مراكش المدينة تفتح سباقا انتخابيا على ثلاثة مقاعد

لا تبدو دائرة مراكش المدينة-سيدي يوسف بن علي مجرد محطة انتخابية عادية في سباق تشريعيات 23 شتنبر 2026، فتركيبتها المجالية والسياسية تجعلها واحدة من الدوائر التي يصعب فيها توقع النتيجة قبل إغلاق صناديق الاقتراع. فبين المدينة العتيقة، وسيدي يوسف بن علي، والامتداد العمراني لجماعة تسلطانت، تتداخل اعتبارات محلية وحزبية تجعل المنافسة على المقاعد الثلاثة مفتوحة على أكثر من احتمال.

وتكشف العودة إلى نتائج الانتخابات السابقة أن هذه الدائرة عرفت خلال عشر سنوات تحولا لافتا في موازين القوى. ففي 2016 كان حزب العدالة والتنمية القوة الانتخابية الأولى بفارق واضح، قبل أن يجد نفسه خارج قائمة الفائزين بعد خمس سنوات فقط. وفي انتخابات 2021، لم يعد المقعد الانتخابي حكراً على قوة واحدة، بل توزع بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار.

هذه التحولات تجعل استحقاق 2026 اختباراً جديداً لمدى قدرة الأحزاب على الحفاظ على مواقعها أو استعادة نفوذها، خصوصاً في دائرة تحمل ثلاثة مقاعد فقط، ما يرفع من حدة التنافس بين وكلاء اللوائح.

 

في انتخابات 7 أكتوبر 2016، فرض حزب العدالة والتنمية نفسه في صدارة الدائرة بحصوله على 25 ألفا و871 صوتا، وهي نتيجة مكنته من الظفر بمقعدين عن طريق يونس بنسليمان والبشير طوبة. وحل حزب الأصالة والمعاصرة ثانياً، وانتزع المقعد الثالث بواسطة فاطمة الزهراء المنصوري، بعدما حصلت لائحتها على أكثر من 14 ألفا و713 صوتا.

لم تكن تلك النتيجة معزولة عن السياق الانتخابي العام في مراكش؛ فقد حصل العدالة والتنمية آنذاك على خمسة مقاعد من أصل تسعة مخصصة لعمالة مراكش، ما جعل دائرة مراكش المدينة-سيدي يوسف بن علي إحدى أبرز مناطق نفوذه الانتخابي.

لكن المشهد تغير بصورة حادة في انتخابات 8 شتنبر 2021. فقد تصدر الأصالة والمعاصرة نتائج الدائرة بـ16 ألفا و136 صوتا، وحصل على المقعد الأول بواسطة فاطمة الزهراء المنصوري. وجاء حزب الاستقلال ثانياً بـ11 ألفا و361 صوتا، ليحصل عبد العزيز الدرويش على المقعد الثاني.

أما التجمع الوطني للأحرار فحل ثالثاً بـ8 آلاف و753 صوتا، وانتزع المقعد الثالث بواسطة يونس بنسليمان، الذي كان من الوجوه المعروفة داخل العدالة والتنمية قبل انتقاله إلى حزب التجمع الوطني للأحرار.

واللافت في نتيجة 2021 أن المقاعد الثلاثة توزعت بين ثلاثة أحزاب، هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، بينما اختفى العدالة والتنمية من قائمة الفائزين.

 

وكان التراجع الذي سجله الحزب في الدائرة لافتاً بشكل خاص؛ فبعدما حصد 25 ألفا و871 صوتا في 2016، لم يحصل وكيل لائحته محمد العربي بلقائد في 2021 سوى على 1723 صوتاً، وهي نتيجة لم تمكن الحزب من الاحتفاظ بأي مقعد.

 

في المقابل، نجح الأصالة والمعاصرة في الحفاظ على موقعه، بينما دخل الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار إلى تركيبة الفائزين للمرة الأولى ضمن هذه الدائرة في المعطيات الواردة عن انتخابات 2021.

 

ومع اقتراب موعد انتخابات 2026، تبدو الدائرة مقبلة على اختبار جديد، خصوصاً أن تركيبة المتنافسين تعكس عودة بعض الوجوه واستمرار أخرى، إلى جانب دخول أسماء جديدة إلى السباق.

 

ويعود الأصالة والمعاصرة إلى المنافسة بواسطة فاطمة الزهراء المنصوري، وهي عودة تحمل دلالة سياسية بالنظر إلى حضورها السابق في تدبير الشأن المحلي بمراكش وموقعها داخل الحزب. كما يأتي ترشيحها في سياق تصدر الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية المحلية بمراكش سنة 2021، بعدما حصل على مقعد في كل واحدة من الدوائر الثلاث، بواسطة طارق حنيش في دائرة المنارة، وفاطمة الزهراء بن الطالب في دائرة جليز-النخيل، إلى جانب مقعد المنصوري في مراكش المدينة-سيدي يوسف بن علي.

 

التجمع الوطني للأحرار يدخل بدوره السباق عبر سعيد الكورش، في محاولة للحفاظ على المقعد الذي ظفر به الحزب سنة 2021 بواسطة يونس بنسليمان. ويخوض الكورش هذه المرة المنافسة في دائرة مختلفة عن المجال الذي ارتبط به خلال تجربته الانتخابية السابقة.

 

أما حزب الاستقلال، فيراهن مجدداً على عبد العزيز الدرويش، الذي سبق أن انتزع أحد المقاعد الثلاثة سنة 2021. ويعكس هذا الاختيار رغبة الحزب في البناء على النتيجة السابقة بدل إعادة ترتيب أوراقه بالكامل.

وفي الجهة المقابلة، يسعى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى دخول دائرة المنافسة بقوة من خلال لحسن زلماط، المرتبط بالوسط المهني الفندقي والسياحي في مراكش.

وتحضر الحركة الشعبية باسم عبد الصادق بيطاري، الأستاذ ورئيس الجامعة الملكية المغربية للجمباز، بينما يراهن العدالة والتنمية على الأكاديمي والباحث في العلوم السياسية صلاح الدين عياش، في محاولة لاستعادة موقع فقده الحزب بشكل كبير خلال انتخابات 2021.

كما يدخل الاتحاد الدستوري المنافسة بواسطة كمال ماجد، فيما اختار حزب التقدم والاشتراكية الحقوقي والفاعل السياسي في المدينة إبراهيم حمي وكيلاً للائحته.

 

وبحسب المعطيات المتوفرة إلى حدود الآن، تضم قائمة وكلاء اللوائح الذين تم توثيق ترشيحهم في دائرة مراكش المدينة-سيدي يوسف بن علي: فاطمة الزهراء المنصوري عن الأصالة والمعاصرة، سعيد الكورش عن التجمع الوطني للأحرار، عبد العزيز الدرويش عن الاستقلال، إبراهيم حمي عن التقدم والاشتراكية، لحسن زلماط عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عبد الصادق بيطاري عن الحركة الشعبية، صلاح الدين عياش عن العدالة والتنمية، وكمال ماجد عن الاتحاد الدستوري.

وتضع هذه الأسماء الدائرة أمام سباق متعدد الأطراف، بعدما انتقلت خلال عقد واحد تقريباً من وضع كانت فيه قوة حزبية واحدة تستحوذ على غالبية المقاعد إلى مشهد أكثر تشتتاً.

لكن قراءة الأرقام السابقة تكشف في الوقت نفسه أن قوة المرشحين والأحزاب لا يمكن قياسها فقط بنتائج الدورة الماضية. فالعدالة والتنمية، مثلاً، انتقل من مقعدين في 2016 إلى صفر في 2021، بينما تمكنت أحزاب أخرى من بناء حضورها أو تعزيز تموقعها.

ومن هذه الزاوية، تبدو انتخابات 2026 أقرب إلى اختبار لإعادة ترتيب الخريطة السياسية داخل الدائرة منها إلى مجرد سباق للحفاظ على نتائج سابقة. فهل ينجح الأصالة والمعاصرة في الدفاع عن موقعه؟ وهل يتمكن الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار من تثبيت حضورهما؟ وهل يستطيع العدالة والتنمية استعادة جزء من رصيده السابق؟ أم أن أحزاباً أخرى ستفاجئ الجميع وتقتحم دائرة الفائزين؟

الجواب لن تحدده نتائج 2016 ولا خريطة 2021، بل صناديق اقتراع 23 شتنبر 2026، التي ستكشف ما إذا كانت مراكش المدينة ستواصل منطق التعدد الانتخابي، أم ستعيد إنتاج موجة جديدة من التحولات في موازين القوى

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *