لعروسي لبلبريس: الحكم الذاتي أساس التسوية ودي ميستورا يثير الجدل

أثارت التحركات الأخيرة للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن قضية الصحراء المغربية، تساؤلات حول التوجه الذي تسلكه المنظمة الأممية في تدبير هذا الملف، خاصة عقب اللقاءين المنفصلين اللذين جمعاه بكل من مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، وألكسندر إيفانكو، رئيس بعثة الأمم المتحدة “المينورسو”، بالتزامن مع اقتراب موعد تجديد ولاية البعثة نهاية أكتوبر الجاري.

وفي هذا السياق، اعتبر عصام لعروسي، الخبير في العلاقات الدولية، أن التحركات الأخيرة بشأن قضية الصحراء المغربية تكشف عن تباينات في المقاربات والتوجهات المرتبطة بالمسار السياسي، خاصة بين الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها حاملة القلم داخل مجلس الأمن الدولي، والتصورات التي يقدمها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، والتي تثير، في نظره، تساؤلات بشأن مدى انسجامها مع مضمون القرار الأممي رقم 2797.

وأوضح لعروسي، في تصريح خاص لجريدة “بلبريس”، أن الدور الأمريكي المتنامي في مسار التسوية يشكل معطى أساسيا في قراءة التطورات الأخيرة، بالنظر إلى موقع واشنطن داخل مجلس الأمن، في مقابل التحركات التي باشرها دي ميستورا من خلال جولاته ومشاوراته بشأن قضية الصحراء المغربية، سواء في مدريد أو الولايات المتحدة الأمريكية.

وسجل الخبير أن المقترحات التي حملتها تحركات المبعوث الأممي، وانعكاساتها على التقرير الأخير للأمين العام، فتحت المجال أمام تأويلات وقراءات مختلفة للقرار 2797، معتبرا أن هذه القراءات تبتعد عن الغاية الأساسية التي جاء من أجلها القرار، والمتمثلة في اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات بين الأطراف، باعتبارها الحل الأساسي والواقعي لإنهاء النزاع.

وفي هذا الصدد، رأى لعروسي أن دي ميستورا يتجه نحو بلورة ما وصفه بـ”هندسة جديدة” لقضية الصحراء المغربية، معتبرا أن ملامح هذه الهندسة تبتعد عن روح القرار الأممي الأخير، الذي عزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الأرضية الأساسية للتفاوض بشأن التسوية السياسية.

وأضاف أن الإشكال المطروح لا يتعلق فقط بالمفاوضات أو بمواقف الأطراف، وإنما يمتد إلى طبيعة التصور الذي يحاول المبعوث الأممي تقديمه بشأن مستقبل الأقاليم الجنوبية، خاصة من خلال الحديث عن اعتماد الحكم الذاتي وفق أعلى المعايير الدولية، وما يرتبط بذلك من ترتيبات وضمانات وآليات لمواكبة تنفيذ الحل السياسي.

واعتبر المتحدث أن اشتراط ضمانات دولية يطرح بدوره إشكالات تستدعي النقاش، لاسيما بشأن طبيعة الدور الذي ستضطلع به الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة، وحدود تدخلها في تدبير المسار السياسي والمؤسساتي المرتبط بالحكم الذاتي.

وأوضح لعروسي أن اقتراح ضمانات دولية قد يصبح محل تساؤل ونقاش وجدل داخل الكتلة الناخبة مستقبلا، بالنظر إلى ما يحمله من دلالات بشأن استمرار حضور الأمم المتحدة في مختلف مراحل التسوية، بما يجعل المنظمة الأممية، وفق قراءته، في قلب المسار السياسي حتى بعد التوصل إلى اتفاق.

وربط الخبير هذا الطرح بمستقبل بعثة “المينورسو”، متسائلا عن طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به في حماية المسار السياسي ومواكبته، في حال اعتماد تصور يقوم على ضمانات دولية للإشراف على تنفيذ التسوية.

وشدد على أن هذه المقاربة تختلف عن موازين القوى القائمة وعن التصور الذي يتقدم به المغرب بشأن الحكم الذاتي، وخاصة في ما يتعلق بمفهوم السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، باعتباره منطلقا أساسيا لأي تسوية سياسية للنزاع.

وفي هذا الإطار، أوضح لعروسي أن المقاربة المغربية تقوم على استيعاب مختلف النخب والمكونات الصحراوية، بما فيها المنتمية إلى جبهة البوليساريو والموجودة في مخيمات تندوف، ضمن تصور شامل للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يستحضر الأبعاد التاريخية والسوسيولوجية والسوسيو-أنثروبولوجية للمجتمع الصحراوي.

واعتبر أن التصورات التي يقدمها دي ميستورا تتجاوز هذه المقاربة، من خلال تقديم قراءة مختلفة لطبيعة التسوية، لا تستحضر، وفق تقديره، المعطيات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي يقوم عليها المقترح المغربي.

وانتقد الخبير ما اعتبره عودة المبعوث الأممي إلى تصورات سبق أن كانت مطروحة في مراحل سابقة من النزاع، خاصة من خلال الحديث عن مجلس انتقالي، تعقبه مرحلة تتعلق بتنظيم استفتاء بشأن مصير تدبير الأقاليم الجنوبية.

وأوضح أن هذا الطرح يعيد النقاش إلى مفهوم تقرير المصير، الذي يواصل دي ميستورا التأكيد عليه، رغم التطورات التي عرفها الملف على مستوى مجلس الأمن الدولي، وما حمله القرار 2797 من توجه نحو جعل الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات.

واعتبر لعروسي أن العودة إلى الحديث عن مجلس انتقالي يعقبه استفتاء تثير تساؤلات بشأن الغاية من إعادة طرح هذه التصورات، ومدى توافقها مع المسار السياسي الذي كرسته القرارات الأممية الأخيرة، خاصة في ظل التحولات التي شهدها الملف والمكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب.

وسجل المتحدث أن الإصرار على تكرار مفهوم تقرير المصير، وربطه بتصورات انتقالية واستفتائية، يعكس، في قراءته، توجها مختلفا عن مضمون القرار الأممي، مشيرا إلى أن المقترحات التي يقدمها دي ميستورا توحي بوجود تصورات أخرى بشأن مستقبل النزاع، لا تتطابق مع السياق الذي جاء فيه القرار الأخير لمجلس الأمن.

وانتقل الخبير إلى مسألة التشاور مع الأطراف المعنية بالنزاع، لاسيما جبهة البوليساريو، معتبرا أن التركيز على هذه الأخيرة يفتح إشكالا أساسيا يتعلق بمدى تمثيليتها للصحراويين، وبالمعايير التي يمكن اعتمادها في أي تصور يرتبط بممارسة تقرير المصير.

وفي هذا السياق، طرح لعروسي تساؤلا حول ما إذا كانت جبهة البوليساريو تمثل بالفعل جميع الصحراويين، مشيرا إلى أن هذه المسألة تشكل في حد ذاتها موضوع خلاف ونقاش كبيرين، بالنظر إلى الواقع الديمغرافي والسياسي القائم في الأقاليم الجنوبية للمملكة.

وأوضح أن نحو 80 في المائة من الصحراويين يوجدون داخل الأقاليم الجنوبية المغربية، حيث انخرطوا في دينامية سياسية ومؤسساتية موسعة، في مقابل أقل من 20 في المائة يوجدون خارج هذه الأقاليم.

واعتبر أن هذه المعطيات تطرح إشكالا جوهريا بشأن طبيعة التمثيلية الصحراوية التي يمكن اعتمادها في أي مسار تفاوضي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمقترحات ترتبط بتنظيم استفتاء أو تحديد الهيئة الناخبة المعنية بممارسة تقرير المصير.

وأشار لعروسي، في هذا الصدد، إلى أن الجزائر ساهمت، وفق قراءته، في تشكيل واقع جديد ومختلف عن الوضع الذي كان قائما في السابق، وهو ما يزيد من تعقيد مسألة تحديد المعايير التي يمكن الاحتكام إليها في أي تصور يقوم على العودة إلى الآليات الاستفتائية.

وتساءل الخبير عن المعيار الذي يمكن اعتماده لتحديد الأشخاص المعنيين بممارسة تقرير المصير، في ظل وجود أغلبية من الصحراويين داخل الأقاليم الجنوبية المغربية، وانخراطهم في الحياة السياسية والمؤسساتية للمملكة، مقابل وجود فئة أخرى خارج هذه الأقاليم.

واعتبر أن هذا الإشكال يطرح تساؤلات حول مدى واقعية التصورات التي يعيد دي ميستورا طرحها، خاصة في ما يتعلق بالتمثيلية والهيئة الناخبة، في وقت يقوم فيه المقترح المغربي على استيعاب مختلف المكونات الصحراوية ضمن إطار الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية.

وشدد المتحدث على أن معالجة قضية الصحراء المغربية لا يمكن أن تنفصل عن هذه المعطيات التاريخية والسوسيولوجية والديمغرافية، ولا عن التطورات السياسية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية، معتبرا أن تجاوزها يقود إلى قراءات لا تنسجم مع الواقع القائم.

وفي السياق ذاته، انتقد لعروسي الطريقة التي يجري بها تأويل القرار 2797، معتبرا أن بعض التصورات التي يقدمها المبعوث الشخصي للأمين العام قد تفرغ القرار من مضمونه السياسي، وتحد من أهمية المكتسبات التي كرسها لفائدة المقاربة القائمة على الحكم الذاتي.

وأوضح أن مجلس الأمن الدولي حدد إطارا سياسيا للمفاوضات، في حين تثير المقترحات المرتبطة بالمجلس الانتقالي والاستفتاء والضمانات الدولية، وفق قراءته، تساؤلات حول مدى احترام هذا الإطار، وحول طبيعة المرجعية التي يستند إليها دي ميستورا في تقديم تصوراته بشأن مستقبل النزاع.

واعتبر الخبير أن هذه المقاربة تبتعد عن التوجه الذي ينبغي أن يحكم المسار السياسي بعد صدور القرار الأممي الأخير، خاصة أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل، وفق تحليله، الحل الأساسي والواقعي الذي يمكن أن يوفر أرضية للتفاوض والوصول إلى تسوية سياسية.

كما توقف لعروسي عند موقع الأمين العام للأمم المتحدة وأمانته العامة في تدبير هذا الملف، معتبرا أن التوجهات التي تعكسها بعض المقترحات الأخيرة توحي بابتعاد عن السياق الذي جاء فيه القرار الأممي، وتفتح المجال أمام قراءات جديدة لا تتطابق بالضرورة مع الغاية السياسية التي حددها مجلس الأمن.

ووصف الخبير هذا الوضع بكونه توجها يجعل الأمانة العامة للأمم المتحدة، في قراءته، “تغرد خارج السرب”، بالنظر إلى الهوة بين مضمون القرار والتأويلات التي يجري تقديمها بشأن كيفية تنزيله ضمن المسار السياسي.

وأبرز أن الإشكال الأساسي يتمثل في احتمال تحول هذه التأويلات إلى منطلق لإعادة فتح نقاشات سبق أن شكلت عائقا أمام تسوية النزاع، بدلا من الانطلاق من التطورات التي كرستها قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات.

واعتبر لعروسي أن استمرار هذا التوجه من شأنه أن يزيد من تعقيد قضية الصحراء المغربية وإطالة أمد النزاع، خاصة إذا جرى توجيه العملية السياسية نحو تصورات لا تنسجم مع مضمون القرار 2797، أو تعيد طرح قضايا التمثيلية والاستفتاء والمرحلة الانتقالية.

وخلص الخبير في العلاقات الدولية إلى التشديد على أهمية الالتزام بروح القرار الأممي الأخير، وعدم إخضاعه لتأويلات قد تبعد العملية السياسية عن غايتها الأساسية، معتبرا أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يظل الحل الأساسي والواقعي للتسوية، في ضوء موازين القوى القائمة والمعطيات التاريخية والسياسية والاجتماعية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *