صبري: حل نزاع الصحراء يبدأ عندما يفهم الجميع معنى ومزايا الواقعية

خلافا لمحاولات خلق تضليل وتأويل تعسفي وتفسير اعتباطي لمضمون وفحوى ومعاني تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عندما طلب المغرب من الأمين العام عدم تعميم تفصيله للحكم الذاتي المعنون بالنظام الأساسي للحكم الذاتي. فان ذلك ليس احراجا مغربي داخلي.

 

بل فقط لأن “النظام الأساسي للحكم الذاتي” على غرار ما تفضل به المغرب يعتبر بمقتضى قرار مجلس الأمن 2797 اطارا قائما وقاعدة مستمرة لعمل المفاوضات، وبذلك الطابع يجب أن تبقى مطبوعة وحبيسة السرية بين الاطراف في سبيل انجاح هذه المفاوضات، ودرءا للضغوط الداخلية والخارجية ومنعا للتشويش على عمل وتركيز المفاوضين .

صبري الحو

وان الالتزام بعدم التسريب يطال الجميع ويمتد الى المبعوث الشخصي للأمين العام ومسعد بولس ووزارة الخارجية الأمريكية والجزائر وموريتانيا والجزائر، الذين مكنوا جميعا من المذكرة المغربية دون ان يقوم أي منهم بما فيها خصوم المغرب بتسريبها، الذي يعكس نوعا من الجدية والمسؤولية التي تحلى به والتزم بها جميع الأطراف .

 

كما أنه وخلافا لما تم الترويج له فان تفصيل مبادرة المغرب بالحكم الذاتي المقدم خلال لقاء مدريد لا بتناقض مع مبادرة المغرب بالحكم الذاتي، المقدمة الى الأمين العام للأمم المتحدة في الحادي عشر من شهر ابريل 2007 بل تعتبر امتدادا وتفصيلا لها؛

 

ولا ارى اي تناقض او احراج فيما يعرضه المغرب في التفصيل عبارة عن النظام الأساسي للحكم الذاتي مع ما سبق عرضه في مبادرته بالحكم الذاتي لسنة 2007 ، مادام المغرب نفسه عرض التزاما من حانب واحد في الاطار المبادرة الأولى بالتفاوض لتطويرها، وهو ما لا يتناقض مع مقتضيات قرار مجلس الأمن 2797 ، الذي يجعل الحكم الذاتي المغربي قاعدة للمفاوضات .

فالمبادرة الأولى منفتحة أصلاً على المفاوضات، فهي من جنس المبادرات والمشاريع المرنة غير الصلبة وليست مغلقة ونهائية. فالمغرب كان يقبل منذ البداية بالعمل سويا ومشاركة مع الآخرين لتطويرها في اطار مسار واضح بالوحدة، و جاد بحسن النية، وحقيقي وليس صوري، ويقود مباشرة نحو الحل النهائي و بضمانة الاشهاد الأممي بنهائية النزاع وليس خامدا وخدعة ومؤقتة، وليس لبنة او درجة مرحلية وتقية لمطالب من جنس الانفصال و الاستقلال بعد حين.

و لا يعتبر مثلما لا يكيف تأكيد المغرب على اعتبار مبادرته هي القاعدة والأساس والنهاية شرطا، سيما بعد مصادقة مجلس الأمن على الطلب المغربي عندما جعل الحكم الذاتي قاعدة للمفاوضات وهو الحل، ولو في اطار الحكم الذاتي الحقيقي لا يتضمن أي تناقض ولا تباين ولا مفارقة وليس تنازلا من المغرب عن حقوقه ذات تأصيل الشرعية التاريخية والرجحان القانوني والتأكيد القضائي والقبول الشعبي المجتمعي؛

فالمغرب، ومن حيث المبدأ صاحب حق، وهو بذلك لا يفاوض من أجل هبة حقوقه او منحها صدقة الغير، فهو ليس سفيها ولا معتوها و ولا مجنونا. كما انه لا يفاوض من موقع المنهزم المغلوب الذي استسلم لسلب حقوقه و غصبها منه مكرها. أو من باب الغبي الذي يفرط في حقوقه و يتنازل عنها. بل ان قبوله بالمفاوضات كان ومايزال بدافع بلوغ توافق ينهي النزاع، بمعنى ادراك تصالح يفي سبيل غايات ديمومة الأمن والاستقرار والتنمية.

وهذه الأهداف الفضلى والغايات السامية في جوهرها وفي اطار تكييفها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ هي حقوق أساسية غير قابلة للتصرف. ولهذا وضعتها الأمم المتحدة في باب الواقعية كركن من الأركان الأساسية للتوجيه والتذكير الأممي الى الأطراف، و الخاص بطبيعة وتركيبة الحل المراد الوصول اليه؛ “حل سياسي توافقي واقعي وعملي بما يضمن تقرير المصير”.

فمتطلبات وحقوق الأمن والاستقرار والتنمية، لها علاقة ثلاثية؛ بالدول ككيانات سياسية مثلما ذات علاقة مع الأفراد والجماعات، وفي نفس الوقت فهي حقوق أساسية في القانون الدولي كما في الدساتير الوطنية للدول المغاربية وحتى في كافة الدساتير المقارنة. و تأثير نزاع الصحراء حسب لوائح وقرارات الأمم المتحدة ليس حبيس المنطقة وبقية المغرب وحيدا بل كل المنطقة المغاربية و بامتدادات الساحل والصحراء.

و هذا التركيب المعقد فهمه ليس متاحا للكافة و لا يدركه الجميع بما فيه الأطراف نفسها. فهي مفاهيم من وحي وترجمة خبراء الأمم المتحدة، الضالعين في صناعة المعنى ورقي المغزى، يجسده دقة الكلمة وروعة اللفظ، و مثالية العلاقة بين الدال والمدلول والتركيز على العمق و الجوهر.

فالواقعية هو من بوأ نزاع الصحراء طابعه الاقليمي، وجعل مسؤولية الحل جماعية وليس ثنائية وفق ما تدفع به الجزائر جهلا منها لما قد تتأثر به من نتائج و عواقب و خيمة. كما أن الحقوق الناتجة عن ركن الواقعية، هي شروط مكونة بالتبعية لحل نزاع الصحراء المغربية. وهو ما جعل وفرض على المغرب عرض المفاوضات والقبول بها بغية تطوير عرضه تحت سقف سيادته، ايمانا منه بأهمية وحيوية وجدوى الحل في الحاضر كما في بناء المستقبل للجميع.

ومن تم فان التفاوض حول الحكم الذاتي من أجل الحكم الذاتي ليس تفاوضا حول لاشيء وفق ما قد يبدو ويروج له الآخر في الجزائر والبوليساريو، ويصفه بالعبث. بل هو تفاوض من أجل تحقيق الواقعية باركانها المشار اليها أعلاه، بعد تفكيك المفهوم واعادة تأويله، لفهمه وقياسه بالوارد في تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وقرارات محلس الأمن؛ مصالحة وعودة وسلطة وثروات ومصالح عامة، وطنية ومحلية و ذاتية، شخصية، معنوية ومادية.

و لهذا جعل قرار مجلس الأمن 2797 من مبادرة المغرب بالحكم الذاتي القاعدة والأساس في المفاوضات كما جعلها النهاية من خلال التأكيد على شرعية سيادة المغرب، ولن يغير من تلك المحددات ما سمي بالحكم الذاتي الحقيقي؛ الذي أشار اليها التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، وحدد شروط بلوغ الحكم الذاتي عتبه الحقيقي في مطابقته للمعايير الدولية وبالضمانات الدولية و أخيرا في البحث عن صيغة للاستشارة الموسعة حوله.

 

وهذا التوصيف و المحددات التي أدرجها ستيفان دي ميستورا كمبعوث شخصي للأمين العام للأمم المتحدة في تقرير الأخير، ينال مبادرة المغرب بالحكم الذاتي ومن تفصيل المغرب بالحكم الذاتي لأنه يحكم عليها منذ البداية بالنقصان، ويمعن في ذلك عندما أوصى في التقرير بضرورة خضوع أي مقترح، وهو بذلك يعني الحكم الذاتي لعملية تشاور واسعة لشعب الصحراء الذي له حرية الاختيار الطوعي في قبوله او رفضه”.

 

فالمبعوث الشخصي للأمي العام دي ميستورا يبحث عن مسعى يضرب به صفحا على كل التقدم المحرز من طرف مجلس الأمن بمقتضى القرار 2797، عندما يعود ليوصي بربط المقترحات الأممية الجديدة بالاستفتاء. ومن أجله نبهت سابقا ان دي ميستورا يبحث عن طريقة لنسف وتسفيه مبادرة المغرب بالحكم الذاتي!. الذي اصبح حقيقة أممية، ولن تنال مناوراته من جديته ومصداقيته بحيطة وحذر و نباهة وايمان المغرب، الذي لن يدع تمر المغالطات اللغوية والتعبيرية والفكرية.

 

*محامي بمكناس

خبير في القانون الدولي، قضايا الهجرة ونزاع الصحراء

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *