يشكل صعود عبد الرحيم شهيد إلى هرم وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي ضمن حكومة المنصوري، محطة بارزة تعكس مسارا مختلفا تشكل بعيدا عن كواليس القرار؛ إذ انتقل الرجل من قاعات الدرس والمدرجات الجامعية ونقاشات الجنوب الشرقي، مرورا بالعمل الجمعوي والحقوقي والبرلماني، وصولا إلى تحمل المسؤولية التنفيذية ضمن التشكيلة الحكومية التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، وعُيّن فيها بإرادة ملكية يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026.
ويضع هذا التعيين القيادي الاتحادي أمام مفارقة سياسية بين الأمس واليوم؛ فهو الذي قضى الولاية التشريعية السابقة رئيسا للفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية، موزعا انتقاداته اللاذعة على سياسات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، ورافضا صيغا قانونية حساسة كالقانون التنظيمي للإضراب، يجد نفسه اليوم على رأس قطاع حكومي وجد في قلب التقاطع المعقد بين طموحات الأجراء، وتطلعات المقاولات، وإكراهات الاقتصاد الوطني وسوق التشغيل.
يعود التكوين السياسي لشهيد إلى محطات مبكرة في إقليم زاكورة ومدرجات جامعة فاس حيث انخرط في صفوف اليسار الراديكالي وحركة المعطلين حاملي الشهادات.
وبعد تجربة قصيرة في الاحتجاج والمطالبة بالشغل، ولج قطاع التعليم أستاذا للإعدادي، منخرطا في صفوف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب اهتمامه بقضايا البيئة والتنمية والماء وحقوق النساء في منطقة عانت طويلا من العزلة وشح الموارد.
كما بصم اسمه في مسار العدالة الانتقالية وجبر الضرر الجماعي بمناطق الجنوب الشرقي التي شهدت سنوات الاعتقال السري، حيث ترأس قسم جبر الضرر الجماعي بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ليتحول من موقع المرافعة الحقوقية إلى تدبير البرامج والمبادرات المؤسساتية، وتوج مساره الأكاديمي في يونيو 2026 بنيله الدكتوراه حول موضوع التنوع الثقافي بواحة درعة.
انتقل شهيد من العمل الجمعوي إلى العمل المؤسساتي المنتخب إثر استحقاقات 2015 حين ترأس المجلس الإقليمي لزاكورة، محتكا عن قرب بأزمات التنمية والماء ومحدودية الإمكانيات الترابية، وهو ما تجلى بوضوح خلال أزمة العطش التي هزت الإقليم سنة 2017.
ومع اقتراع 8 شتنبر 2021، دخل البرلمان نائبا عن زاكورة ثم رئيسا للفريق الاشتراكي بمجلس النواب، ليتسع أفق اشتغاله ليشمل التشريع والمالية العمومية وتقييم السياسات العامة.
وخلال هذه المرحلة، برز كأحد الأصوات البارزة الموجهة لتدبير الحكومة، مع التركيز على نجاعة البرامج الاجتماعية ومنتظمية حضور الوزراء للأسئلة الشفوية، تزامنا مع صعوده داخل حزبه ومساندته لخيار استمرارية الكاتب الأول إدريس لشكر.
وبعد تصدره مجددا لنتائج دائرته الانتخابية في استحقاقات 23 شتنبر 2026، جاء تعيينه الوزاري ليتوج هذا المسار الطويل.
فبذلك ستكون وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي مختبرا حقيقيا لمدى قدرة الوزير الجديد على تحويل مواقفه النقدية السابقة إلى قرارات عملية؛ فبين ملف إعداد مدونة الشغل، وضبط آليات الحوار الاجتماعي مع النقابات، وتدبير ملف الإضراب بما يوازن بين حقوق الأجراء وحاجة المقاولات للاستمرار والإنتاج، ستكون أمامه تحديات جسام.
كما أن خلفيته كمعطل سابق أضحى وزيرا تضع على عاتقه مسؤولية إيجاد مقاربات ناجعة لدمج الشباب في سوق العمل، وبذلك تنتقل معركة عبد الرحيم شهيد من الترافع والمساءلة تحت قبة البرلمان إلى ميدان التدبير التنفيذي والنتائج الملموسة.