خطاب العرش يضع حدا لسباق نسب الإنجازات قبل انتخابات شتنبر

في خضم استعداد الأحزاب السياسية لخوض الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، حمل خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش رسالة سياسية لافتة، قرأ فيها متابعون للشأن العام توجيها واضحا إلى مختلف الفاعلين السياسيين بضرورة تجنب المزايدات الانتخابية حول حصيلة الإنجازات الوطنية، والتعامل مع المشاريع الاستراتيجية للدولة باعتبارها ثمرة رؤية ممتدة تتجاوز منطق الولايات الحكومية والتنافس الحزبي.

وجاء في الخطاب الملكي: “إن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”، وهي عبارة اعتبرها عدد من المحللين بمثابة وضع لإطار سياسي واضح للنقاش الذي سيرافق الحملة الانتخابية المقبلة، في ظل شروع الأحزاب في تسويق حصيلتها والدفاع عن برامجها.

وتأتي هذه الإشارة في سياق تتزايد فيه مؤشرات الدخول المبكر في المنافسة الانتخابية، حيث تسعى مكونات الأغلبية والمعارضة إلى ربط عدد من الأوراش الكبرى بمنجزها السياسي، سواء تعلق الأمر بالمشاريع الاجتماعية أو الاقتصادية أو الإصلاحات الهيكلية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.

ومن خلال تأكيده أن هذه المكاسب هي نتاج “سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية”، يكرس الخطاب الملكي مبدأ استمرارية الدولة، ويفصل بين السياسات العمومية ذات البعد الاستراتيجي وبين التدبير الحكومي المرحلي، بما يعني أن الأوراش الكبرى لا يمكن اختزالها في ولاية حكومية واحدة أو نسبها إلى حزب بعينه، مهما كان موقعه في المشهد السياسي.

كما تحمل هذه الرسالة دلالة سياسية تتجاوز تقييم المنجز، لتطال طبيعة الخطاب الانتخابي المنتظر، إذ تبدو دعوة ضمنية إلى تجنب توظيف التوجهات الاستراتيجية للمملكة كورقة للمنافسة الحزبية أو وسيلة للمفاضلة بين الفاعلين السياسيين، بالنظر إلى أن هذه الخيارات تمثل ثوابت للدولة ومجالا للتوافق الوطني، وليس ساحة للتجاذب الانتخابي.

ويأتي هذا التوجيه في مرحلة دقيقة تتسم بتكثيف الأحزاب لتحركاتها الميدانية وإعداد برامجها الانتخابية، في وقت يتوقع أن تحتل فيه قضايا الدولة الاجتماعية، والاستثمار، والبنيات التحتية، والحماية الاجتماعية، مكانة مركزية في الخطابات الحزبية. غير أن الخطاب الملكي يرسم، وفق هذه القراءة، الحدود الفاصلة بين ما يدخل في إطار التدبير الحكومي القابل للتقييم السياسي، وبين الاختيارات الاستراتيجية التي راكمتها المملكة عبر سنوات بفضل استمرارية المؤسسات وتكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين.

وبذلك، تبدو العبارة الملكية بمثابة رسالة استباقية لضبط إيقاع النقاش السياسي قبل انطلاق السباق الانتخابي، عبر التأكيد على أن التنافس ينبغي أن ينصب على البرامج والبدائل والقدرة على التدبير، لا على محاولة احتكار منجزات وطنية صنعتها الدولة المغربية في إطار رؤية استراتيجية ممتدة، تتجاوز الحسابات الحزبية والرهانات الانتخابية الضيقة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *